فهرس الكتاب

الصفحة 3880 من 9994

ج- واستحب العلماء أن يكون للعبد نية في الطيب الذي يضعه للحديث: (( ومن تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة ) ). قال الغزالي رحمه الله: فإن تطيب قاصدا التنعم بلذات الدنيا أو صرف القلوب إليه حتى يعرف بطيب ريحه فذلك أنتن من الجيفة يكون، وإن أراد من التطيب اتباع السنة وإراحة إخوانه فهو المأجور على فعله ( [11] ) .

3-في آخر العمل وخاتمته: وحتى تحفظ أعمالنا من الضياع والنقصان نحن بحاجة إلى النية في: ألا نمنّ بأعمالنا على الله والناس فذلك مما يذهب العمل، فالله سبحانه لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة للحديث القدسي: (( يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما يغمس المخيط في البحر ثم انظر بما يرجع فيه يا عبادي إنما هي أعمالكم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ) ( [12] ) .

وعندما جاءت بنو أسد إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك فقال رسول الله: (( إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم وأنزل الله قوله: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) ) [ق:17] ( [13] ) .

وكذا المنة على الناس لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [سورة البقرة:264] ، وللحديث: (( لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر ) ) ( [14] ) وفي قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام:160] : جاء اللفظ القرآني (جاء) ولم يقل (عمل) إشارة إلى أن الحسنة لا تضاعف حتى تحفظها من كل ما ينقصها من منة ورياء وسمعة حتى يأتي بها رب العزة وهي محفوظة من كل شائبة وعند ذلك تكون الحسنة بعشر أمثالها فتأمل.

وما يفسد العمل أن يختمه بانحراف وردة للحديث: (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ) ( [15] ) ، لذا كان من علامة رضا الله سبحانه وتعالى ما أخبر عنه المصطفى بقوله: (( إذا أراد الله بعبد خير استعمله. قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبض عليه ) ) ( [16] ) .

وأما عواصم النية من الانحراف:

الدعاء: يقول أبو موسى الأشعري: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: (( يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل: قالوا: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ) ) ( [17] ) .

أن تجعل باعث العمل رضا الله سبحانه، وذلك لا يكون إلا بعد طول مجاهدة ومحاسبة ومراقبة والنية الخالصة لا يمكن اكتسابها بمجرد قول باللسان كالذي يقول: نويت أن أحب فلانا في الله فلا يمكن تحقق الأمر إذا لم يكن هناك باعث إيماني غمر القلب بأنواره حتى تنبعث منه هذه النيات ولهذا امتنع جماعة من السلف عن بعض الأعمال إذا لم تحضرهم النية، وكان بعضهم يقال له: تعال نذهب لزيارة فلان فيقول: اصبر حتى أحدث له نية.

أن تعد نفسك للحساب فالله تعالى يقول: ليسأل الصادقين عن صدقهم (الصادقين المبلغين المؤدين عن الرسل) ( [18] ) وقيل: (يقال لهم: هل كان تصديقكم لوجه الله) ؟ ( [19] ) . أقول فليحذر الدعاة إلى الله من أن تكون دعوتهم لشخوصهم وذواتهم وأفكارهم وليست لله تعالى، ولو كانت دعوتهم لله حقيقية لما كان هذا الشتات وتلك الفرقة وذلك التمحل والتحذلق ثم الإعراض عن الأصول من ربانية وعالمية وشمولية وجهاد والكل يقرأ كتاب الله ولكن كما تقول عائشة رضي الله عنها: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) .

( [1] ) متفق عليه .

( [2] ) أخرجه الدار قطني من حديث أنس بإسناد حسن .

( [3] ) أخرجه مسلم .

( [4] ) رواه الترمذي .

( [5] ) مختصر ابن كثير مجلد 2 ص 532 / سورة الحج آية (11) .

( [6] ) مختصر ابن كثير / مجلد 1 ص 185 - سورة البقرة آية 207 .

( [7] ) رواه البيهقي .

( [8] ) متفق عليه .

( [9] ) رواه أبو اسحاق الفزاري في السنن من وجه مرسل .

( [10] ) أخرجه الطبراني بإسناد جيد .

( [11] ) احياء علوم الدين مجلد 4 ص 364 ، والحديث أخرجه أبو الوليد الصفار مرسلا .

( [12] ) رواه مسلم .

( [13] ) مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 369 والحديث رواه البزار .

( [14] ) أخرجه أحمد وابن ماجة .

( [15] ) متفق عليه .

( [16] ) رواه أحمد والترمذي .

( [17] ) رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى .

( [18] ) مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 83 .

( [19] ) الألوسي مجلد 321 ص 155 . ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت