والأولى أن يتبعوا شرع نبينا محمد في تلك الأمور والحوادث فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يصلي على الجنازة ثم يحملها القوم وهم صامتون يدعون له بقلوبهم وألسنتهم، لا كما يفعل هؤلاء اليوم من رفع الصوت بالتهليل والتكبير كقولهم: (لا إله إلا الله) مرات ومرات مع أن ذكر الله مستحب في كل حال، لكن في هذا المقام يجب اتباع الشرع.. ثم كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا وضعت الجنازة على القبر يذكرهم بالله، ثم إذا دفن الميت قال: (( استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) )ولم يأمرهم بقراءة سورة عند قبره، ولكنها من المحدثات.. فإذا رجع أهل الميت عزاهم في مصابهم وقال: (( أحسن الله عزاءكم ) )ويقول: (( لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.. اصبر واحتسب ) )رواه البخاري ومسلم بمعناه.. ولم يزد على ذلك ما يفعله هؤلاء الطغام من الكلمات الكثيرة والنياحة المحرمة، وكذا تهويل المصيبة وتفزيع أهالي الميت بالصياح، وذكر الفضائل والمآثر لمن مات.. وكان إذا مات أحدهم يقول الرسول-صلى الله عليه وسلم- اصنعوا لأهله طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم، كما قال: (( اصنعوا لآل جعفر طعاماً ) )1، لما مات جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- ثم يهدئ المصاب، ويذكر الناس بقدر الله-تعالى- ولم يعهد ولم يذكر عن السلف الصالح الاجتماع للمآتم في المساجد ولا غيرها، ولا ذكر أوراد وأدعية صارت عادة للناس... بل كل ذلك مما أحدثه الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله..
(ويحرم النحيب وتعداد المحاسن والمزايا وإظهار الجزع؛ لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل من الله تعالى) وهذا مما ذكر في كتب الحنابلة وغيرهم.
وكذا نبه على ذلك كثير من علماء الإسلام قديماً وحديثا؛ كالإمام النووي، وله فتوى في ذلك، وابن حجر، وابن تيمية، وابن الحاج، والعز بن عبد السلام، وابن القيم، والقاسمي، وغيرهم من علماء الإسلام في مختلف العصور..
ومما يفعله الناس في المآتم تحميل الناس وتكليفهم فوق طاقتهم، والإسراف في موائد الأكل التي تكون نفقتها على أهل الميت.. وهذا يزيد الطين بلة والمرض علة، لأن أهل الميت مشغولون بمصيبتهم، وتلك التكاليف والأشغال تزيدهم مصيبة فوق مصيبتهم، خاصة إذا كانوا من الفقراء، أو حتى كانوا من الأغنياء،..
والأولى بهؤلاء أن يتقوا الله ويرحموا أهل الميت، ويقدموا لهم الأكل وكل ما يحتاجونه في مثل هذه المناسبة..
نسأل الله أن يصلح الأمور، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه ولي الله ويذل فيه عدوه...
والله الموفق،،
1-رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.