فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 9994

أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله,فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له... فالحياة الحقيقة الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا,فهؤلاء هم الأحياء،وإنْ ماتُوا. وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول-صلى الله عليه وسلم-,فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة,فمن فاته جزءٌ منه فاته جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول.

قال مجاهد"لما يحييكم"أي: للحق. وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة, والثقة, والنجاة, والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال السدي: هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر,وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة,وهي القيام بما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم- ظاهرًا وباطنًا.

فالإيمان, والإسلام, والقرآن, والجهاد, يحي القلوب الحياة الطيبة،وكمال الحياة في الجنة،والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة,وهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة"5."

فاتقوا الله عباد الله: واستجيبوا لأمر الله وأمر رسوله، فإن فيهما فلاح العبد وفوزه في الدنيا والآخرة، وإن بالإعراض عنهما ومخالفة أمرهما خسارة الدنيا والآخرة. والله أعلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين،ولا عدوان إلا على الظالمين،والعاقبة للمتقين،والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين،وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فإن من فوائد وثمار الاستجابة لله ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-: أن الاستجابة لله ولرسوله إنما تكون على عقيدة صحيحة وسليمة, وبهذه العقيدة تحيى القلوب, والعقول، وتطلقها من قيود الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن العبودية لغير الله.

ثم إن الاستجابة هي أن يلتزم المسلم شريعة الله وحده, ويعلن التحرر من قوانين المخلوقين، فيقف المسلمون صفًا واحدًا، لا يتحكم فيهم فرد، ولا طبقة، ولا جنس، ولا قوم، ولكن تحكمهم شريعة الله رب العباد.

قال البخاري:"استجيبوا"أجيبوا"لما يحييكم"أي لما يصلحكم. عن أبي سعد المعلى-رضي الله عنه-قال كنت أصلي فمر بي النبي-صلى الله عليه وسلم-فدعاني فلم آتيه حتى صليت، ثم أتيته، فقال:"ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم", ثم قال لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"فذهب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ليخرج فذكرت له"6."

أيها المسلمون: إن قوله- تعالى-:"لما يحييكم", وصف ملازم، لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته،فإن حياة القلب، والروح،بعبودية الله-تعالى-،ولزوم طاعته،وطاعة رسوله،على الدوام، ثم حذر من عدم الاستجابة لله وللرسول فقال:"واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه، إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها، أنى شاء. فليكثر العبد قول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب،اصرف قلبي إلى طاعتك"7.

ثم اعلموا عباد الله: أن من فوائد وثمار الاستجابة لله-سبحانه وتعالى-ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-هي مغفرة الذنوب,قال-تعالى-على لسان الجنِّ: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الأحقاف: من الآية31. أجيبوا داعي الله، أي: أجيبوا رسولَ اللهِ محمَّدًا إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله,وآمنوا به يقول: وصدقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه, وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به, يغفر لكم,يقول: يسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها. ثم هي الحياة الحقيقية في الجنة فالجنة هي دار الحيوان، هي الدار التي تفيض بالحياة الحقيقية والحيوية، وفيها يتحدد مصير الإنسان الأبدي، بعد أن ينتقل من هذه الحياة الدنيا، فالدار الآخرة هي المتاع الذي ينبغي أن يحرص عليه المرء ولا يرضى به بديلًا، ولا يبغي عنه حولًا، ولذلك ينبغي الاستعداد والتأهُّب لتلك النهاية التي يصير إليها المرء، وعندئذ تنفتح أمامه آفاق سامية، وآماد بعيدة, ويرتفع إلى مستوى لائق بكرامته وإيمانه: { ومَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت: 64 .

ثم يقول-سبحانه-:"ويجركم من عذاب أليم"أي ينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله"8. فالذين يرفضون الاستجابة لله والرسول فإنهم يرفضون الحياة الكريمة اللائقة بالإنسان، فليس لهم إلا الذل ومصيرهم الهلاك، ومآلهم الدمار والبوار: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وبِئْسَ القَرَارُ} إبراهيم: 28-29 . فما أعظم خسارة أولئك الذين آثروا الدنيا الفانية على الآخرة الباقية الدائمة! وما أعظم ضلال أولئك الذين حصروا الوجود فيما تقع عليه حواسُّهم قريبًا في الدنيا، ويحسبون أن وجودهم محصور فيها فلا يعملون لغيرها:"

خُلِق النّاسُ للبقاءِ فضلِّت * أمّةٌ يحسبونهم للنَّفاد

إنما يُنقلون من دار أعما * ٍل إلى دار شقوة أو رشاد !

عباد الله: يقول الإمام ابن القيم: رحمه الله-:"فإن الإيمان, والإسلام, والقرآن, والجهاد تحيي القلوب الحياة الطيبة. وكمال الحياة في الجنة, والرسول داعٍ إلى الإيمان وإلى الجنة، فهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة9, فهل تستجيب لهذه الدعوة الكريمة التي وجَّهها إليك رب العزة، جل جلاله؛ لتظفر بهذه الحياة الكريمة، فتكون مَعْلَمًا من معالم الطريق، وتكون مؤمنًا بالله ورسوله، ولن يكون مؤمنًا ذاك الذي يُعرض عن دعوة الله، ولا يستجيب لها، فإن الاستجابة لله وللرسول-صلى الله عليه وسلم-، هي المحكُّ الحقيقي والمظهر العملي للإيمان,قال الله-تعالى-: {إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} آل عمران: 169 .والمؤمن يستجيبُ لنداءِ الإيمانِ من فورِهِ:رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ*رَبَّنَا وآتِنَا مَا وعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ"

المِيعَادَ آل عمران: 192 - 193 .قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:"إذا سمعت الله-تعالى-يقول:"يا أيها الذين آمنوا! فأرْعِها سمعك، فإنه إما خيرٌ تؤمر به، وإما شرٌ تنهى عنه"."

اللهم اجعلنا من المستجيبين لأمرك وأمر رسولك.

اللهم وفقنا لطاعتك والعمل على مرضاتك، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين،،،

1 -تفسير ابن كثير (4-171) .

2 -راجع: تفسير السعدي (2/196) .

3 -رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني.

4 -جامع العلوم والحكم (1-26) .

5 -تفسير ابن القيم ص (288-289) .

6 -البخاري.

7 -تفسير السعدي (2/196-197) .

8 -راجع: تفسير الطبري (26-34) .

9 -الفوائد لابن القيم: ص 116 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت