فهرس الكتاب

الصفحة 3561 من 9994

هـ - ما يؤاخذ به من وزره وآثامه ويحاسب عليه من تبعاته وإجرامه. وقد حُكي أن هشام بن عبد الملك لما ثَقُلَ بكى ولده عليه، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! وقال رجل للحسن - رحمه الله تعالى: إني أخاف الموت وأكرهه، فقال: إنك خلَّفت مالك، ولو قدَّمتَه لسرَّك اللحاق به.

4-أن يجمع المال ويطلب المكاثرة، استحلاءً لجمعه، وشغفاً باحتجانه؛ فهذا أسوأ الناس حالاً فيه، وأشدهم حرماناً له، قد توجهت إليه سائر الملاوم. وفي مثله قال الله - تعالى - (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) ) [التوبة:34] (8) .

السبيل إلى القناعة:

1-تقوية الإيمان بالله - تعالى -، وترويض القلب على القناعة والغنى؛ فإن حقيقة الفقر والغنى تكون في القلب؛ فمن كان غني القلب نعم بالسعادة وتحلى بالرضى، وإن كان لا يجد قوت يومه، ومن كان فقير القلب؛ فإنه لو ملك الأرض ومن عليها إلا درهماً واحداً لرأى غناه في ذلك الدرهم؛ فلا يزال فقيراً حتى يناله.

2-اليقين بأن الرزق مكتوب والإنسان في رحم أمه، كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - وفيه:"ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.." (9) . فالعبد مأمور بالسعي والاكتساب مع اليقين بأن الله هو الرازق وأن رزقه مكتوب.

3-تدبر آيات القرآن العظيم ولا سيما الآيات التي تتحدث عن قضية الرزق والاكتساب. يقول عامر بن عبد قيس: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتُهن مساءً لم أبال على ما أُمسي، وإذا تلوتُهن صباحاً لم أبال على ما أُصبح: (( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ومَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) ) [فاطر:2] ، وقوله تعالى: (( وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) ) [يونس:107] ، وقوله تعالى: (( ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ومُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) [ هود:6] ، وقوله - تعالى (( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ) ) [الطلاق:7] (10) .

4-معرفة حكمة الله - سبحانه وتعالى - في تفاوت الأرزاق والمراتب بين العباد، حتى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والتجارات، ويخدم بعضهم بعضاً قال - تعالى (( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ) [الزخرف:32] ، وقال - تعالى - (( وهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ) ) [الأنعام:165] .

5-الإكثار من سؤال الله - سبحانه وتعالى - القناعة، والإلحاح بالدعاء في ذلك؛ فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الناس قناعة وزهداً ورضىً وأقواهم إيماناً ويقيناً، كان يسأل ربه القناعة؛ فعن ابن عباس: رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعو:"اللهم قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير" (11) ولأجل قناعته صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان يسأل ربه إلا الكفاف من العيش والقليل من الدنيا كما قال - عليه الصلاة والسلام:"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً" (12) .

6-العلم بأن الرزق لا يخضع لمقاييس البشر من قوة الذكاء وكثرة الحركة وسعة المعارف، وإن كان بعضها أسباباً؛ إلا أن الرزق ليس معلقاً بها بالضرورة، وهذا يجعل العبد أكثر قناعة خاصة عندما يرى من هو أقل منه خبرة أو ذكاءًا أو غير ذلك وأكثر منه رزقاً فلا يحسده ولا يتبرم من رزقه.

7-النظر إلى حال من هو أقل منك في أمور الدنيا، وعدم النظر إلى من هو فوقك فيها؛ ولذا قال النبي"انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" (13) . وفي لفظ آخر قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"إذا رأى أحدكم مَنْ فوقه في المال والحسب فلينظر إلى من هو دونه في المال والحسب" (14) .

وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء، ومن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيراً ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضاً أو معذباً ففيهم من هو أشد منك مرضاً وأكثر تعذيباً، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك، ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف من نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاءًا ومعرفة وخلقاً، فلِمَ لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت (15) ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت