1 -امتلاء القلب بالإيمان بالله - سبحانه وتعالى - والثقة به، والرضى بما قدر وقسم، وقوة اليقين بما عنده - سبحانه وتعالى - ذلك أن من قنع برزقه فإنما هو مؤمن ومتيقن بأن الله - تعالى - قد ضمن أرزاق العباد وقسمها بينهم حتى ولو كان ذلك القانع لا يملك شيئاً.
يقول ابن مسعود - رضي الله عنه: إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا: ليس في البيت دقيق. وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبح وليس عندي شيء. وقال الفضيل ابن عياض - رحمه الله تعالى: أصل الزهد الرضى من الله - عز وجل -. وقال أيضاً: القُنوع هو الزهد وهو الغنى، وقال الحسن - رحمه الله تعالى: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله - عز وجل - (7) .
2 -الحياة الطيبة: قال - تعالى: (( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ) [النحل: 97] ، فَسَّر الحياةَ الطيبة عليٌّ وابن عباس والحسن - رضي الله عنهم - فقالوا: الحياة الطيبة هي القناعة (8) ، وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه (9) .
3 -تحقيق شكر المنعم - سبحانه وتعالى: ذلك أن من قنع برزقه شكر الله - تعالى - عليه، ومن تقالّه قصَّر في الشكر، وربما جزع وتسخط - والعياذ بالله - ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس" (10) .
4 -الفلاح والبُشْرى لمن قنع: فعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع" (11) ، وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه" (12) .
5 -الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات: كالحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة؛ ذلك أن الحامل على الوقوع في كثير من تلك الكبائر غالباً ما يكون استجلاب دنيا أو دفع نقصها، فمن قنع برزقه لا يحتاج إلى ذلك الإثم، ولا يداخل قلبه حسد لإخوانه على ما أوتوا؛ لأنه رضي بما قسم له.
قال ابن مسعود - رضي الله عنه: اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحسد أحداً على رزق الله، ولا تَلُمْ أحداً على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره؛ فإن الله - تبارك وتعالى - بقسطه وعلمه وحكمته جعل الرَّوْح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط (13) .
وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود، وأهنأهم عيشاً القنوع (14) .
6 -حقيقة الغنى في القناعة: ولذا رزقها الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وامتن عليه بها فقال - تعالى: (( ووجدك عائلا فأغنى ) ) [الضحى:8] ، نزّلها بعض العلماء على غنى النفس؛ لأن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال (15) .
وذهب بعض المفسرين إلى أن الله - تعالى - جمع له الغنائيْن: غنى القلب، وغنى المال بما يسر له من تجارة خديجة.
وقد بيّن - عليه الصلاة والسلام - أن حقيقة الغنى غنى القلب فقال - عليه الصلاة والسلام:"ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس" (16) .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟"قلت: نعم! يا رسول الله، قال:"فترى قلة المال هو الفقر؟"قلت: نعم! يا رسول الله. قال:"إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب"الحديث (17) .
وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غده! فالعلة في القلوب: رضيً وجزعاً، واتساعاً وضيقاً، وليست في الفقر والغنى.
ولأهمية غنى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطيباً في الناس على المنبر يقول:"إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه" (18) ، وسئل أبو حازم فقيل له: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (19) ، وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك (20) .
7 -العز في القناعة، والذل في الطمع: ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس فلا يزال عزيزاً بينهم، والطماع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعاً:"شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس" (21) .
وكان محمد بن واسع - رحمه الله تعالى - يبلُّ الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد (22) .