ونعود إلى السياق الكريم الحكيم، الذي اشتمل على قصص كل الرسل السابقين والذين كانوا على رأس قلة مؤمنة مستضعفة، وكان الطاغوت على رأس كثرة غالبة مستكبرة، فبدأً بنوح وعاد وثمود وعطف بمن بعدهم من الأمم الأقوام الذين لا يعلمهم إلا الله، هؤلاء جميعاً كانت لهم قصة واحدة، تصدق عليهم جميعاً، وعلى جميع الأمم التي من بعدهم، على الرغم من اختلاف البيئة، وتباين الشعوب، وتباعد الأزمنة والأمكنة، فتجد أن السياق الكريم يذكر حواراً موحداً بين الرسل وبين أقوامهم المستكبرين، فجميعهم فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [إبراهيم:9] .
ويلحظ من الحوار إصرار الكفار على موقفهم، واعتمادهم فيما بعد على قوتهم، ويستمر الصراع ويشتد الأذى على الرسل وأتباعهم، نتيجة ميل ميزان القوى بشدة لصالح الكافرين، ولا يجد المؤمنون وسيلة إلا الصبر والتوكل على الله وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا اذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ [إبراهيم:12] ، أما إذا اشتد الأذى وزاد، إلى الدرجة التي تجعل الكفار يضعون الرسل وأتباعهم بين خيارين لا ثالث لهما، إما النفي والإهلاك وإما العودة إلى دين الكفار وملتهم، وبمعنى أوضح (إما أن نكون معهم أو ضدهم) فعندها تكون نهايتهم قد حانت بإذن الله وقدرة، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:13] ، لنهلكن الظالمين، أي إذا نفذوا تهديدهم لنهلكنهم بعذاب استئصالي كلي أو جزيء قال تعالى عن فرعون الطاغية: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ [الزخرف:54-56] .
بارك الله لي ولكم في...
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى وسلامٌ علىعباده الذين اصطفى، وبعد فنتابع سوياً المشهد الأخير من الصراع، والذي لم يتخلف ولا مرة واحدة عن نهاية أي صراع بين الرسل وبين أقوامهم المستكبرين، فجميع الأقوام الكافرة وبدون استثناء طلبوا أخيراً المفاصلة النهائية قال تعالى في تكملةٍ لذلك السياق البليغ وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15] ، والمعنى أن الكفار المستكبرين، المغرورين بقوتهم، قد طلبوا الفتح النهائي والشامل، وبمعنى أوضح فإنهم قد شرعوا في تنفيذ خطتهم الاستراتيجية العليا لاستئصال المؤمنين، والباطل وأهله عندما يُقدم على هذا مغروراً بقوته وجبروته، يريدون ليطفئوا نور الله، فإنهم يكونون بذلك قد تعدوا الخط الأحمر، الذي رسمه الله تعالى في حلبة الصراع بين الفريقين، وحيث إنهم لن يتوقفوا من تلقاء أنفسهم، فإن الله يوقفهم بعذاب يستأصلهم كلياً أو جزئياً.
والملاحظ أن الكفار المستفتحون، حين يعلنون الحرب النهائية على كل المؤمنين في كل الأرض، يكونون في أوج قوتهم وعظمتهم، وعلى ثقة كاملة أن خطة الاستفتاح ستنجح، فالينابيع قد جففت، والشهوات قد أججت، والشبهات قد نشرت، والأموال قد رصدت، والقوات قد حشدت، والإعلام قد أرجف وهول وطبل، والطغيان قد وصل إلى منتهاه، ويكون المؤمنون المستهدفون قلة وضعفاء، لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
ويغلب على ظني أننا نعيش اليوم في هذه المرحلة، من الفصل الأخير من هذا الصراع الطويل المرير، وما هذه الحملة الإعلامية الصهيونية التي يشنها الإعلام الغربي المسير على المسلمين بصفة عامة ،والعرب بصفة خاصة، وأهل هذه البلاد بصفة أخص، إلا نوع من أنواع التطير قال تعالى: قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَءن ذُكّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ [يس:18، 19] .