إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المنشئة للعمل، ومن الأمثلة على ذلك آية تحريم الخمر، حينما نزلت جرى رجل في سكك المدينة يعلن:"ألا إن الخمر قد حرمت"، فالذي كان في يده شيء من الخمر رماه، والذي كان في فمه شربة مجها، والذي كان عنده في أوان أراقها، استجابة لأمر الله ـ تعالى ـ: إِنَّ هَاذَا الْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.
أيها الاخوة الكرام، إننا ـ ونحن نقرأ كلام الله سبحانه ـ نمر كثيرا على صفات منزل هذا القرآن وأسمائه وهو رب العالمين، فما هو أثر هذه الصفات والأسماء على القلوب الحية؟
إنك وأنت تقرأ آيات يتجلى فيها الرب في جلباب الهيبة والعظمة والجلال كما في قوله ـ تعالى ـ: الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ لَهُ الاْسْمَاء الْحُسْنَى، فإن الأعناق تخضع، والنفوس تنكسر، والأصوات تخشع، والكبر يذوب كما يذوب الملح في الماء.
وإذا تجلى ـ سبحانه ـ بصفات الرحمة واللطف والبر والإحسان كما في قوله ـ تعالى ـ: نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، حينها تنبعث قوة الرجاء من العبد، وينبسط أمله، ويسير إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء حد في العمل.
وإذا تجلى الله بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة، وتطلعت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات.
وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم إليهم، ودفع المصائب عنهم، ونصرة لأوليائه، وحمايته لهم كما في قوله ـ تعالى ـ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وقوله: ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وغيرها من الآيات، فإنه تنبعث من العبد قوة التوكل عليه، والتفويض إليه، والرضا به في كل ما يجريه على عبده، ويقيمه فيه. هذا بعض ما في هذا الكتاب العظيم المملوء حكمة وهدى ونورا وبركة وشفاء.
أقول قولي هذا...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، لا تأخذه سنة ولا نوم، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي أوتي السبع المثاني والقرآن العظيم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرا.
أيها المؤمنون، إن حال كثير من الناس في هذا الزمان مع القرآن بخلاء جدا، إنه ربما يمر الأسبوع على بعضهم أو الشهر وهم لم يقرأوا سطرا واحدا من القرآن، ولربما يمضي على بعضهم شهور لم يقرأ فيها القرآن، نعوذ بالله من الخذلان، لقد شكا النبي إلى ربه من هجر القرآن: وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً والهجر للقران أنواع:
أولا: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، فتجد بعضهم يستمع إلى إذاعات الدنيا، ويستمع إلى ما حرم الله من لهو الحديث، وإذا مر بسمعه القرآن أغلق الجهاز أو المذياع، نعوذ بالله من ذلك.
ثانيا: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، حيث يلجأ بعض الناس إلى تحكيم القوانين، أو تحكيم أعراف القبائل في النزاعات والخصومات.
ثالثا: كهجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد الله ـ سبحانه ـ به منه.
رابعا: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به.
خامسا: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
أيها الأخ الكريم، ومن العمل به اتباع أمره بالإنفاق في سبيل الله، وقد وعدنا وهو الذي لا يخلف وعده بأن يخلف علينا، قال ـ تعالى ـ: وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وقال ـ تعالى ـ: مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وعن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله يقول: (( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه أحد باب فقر ـ أو كلمة نحوها ـ ) ) [1] وقال: (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا الله ولو بشق تمرة ) ) [2] ، ووعظ النبي الناس فقال: (( أيها الناس تصدقوا ومر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) ) [3] ، والصدقة دليل على صدق إيمان العبد ولذلك قال: (( والصدقة برهان ) ) [4] .