فهرس الكتاب

الصفحة 3275 من 9994

فالعبودية العامة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك، قال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَانِ عَبْداً} [مريم:93] . وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، قال تعالى: {ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف:68] ، وقال تعالى: {فَبَشّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:17، 18] ، وقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان:63، 64] . فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته"."

قال ابن جرير في تفسير قول الله تعالى: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة:116] :"وأولى معاني القنوت في قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله عز وجل، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الدين زعموا أن لله ولداً بقوله: {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالأرْضِ} ملكاً وخلقاً، ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارؤها وصانعها، وإن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنى يكون لله ولداً وهذه صفته؟!".

وقال الله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران:83] ، قال شيخ الإسلام:"فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعاً وكرهاً، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر".

العبودية (ص38-45) .

مدارج السالكين (1/105) .

جامع البيان (1/507-508) .

العبودية (ص145) .

ثالثاً: عبودية الكائنات:

قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل:49] .

قال ابن جرير رحمه الله:"يقول الله تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة".

وقال ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة".

وقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاواتِ وَمَن فِى الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ} [الحج:18] .

قال ابن جرير رحمه الله:"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال والشجر والدواب في الأرض".

وقال ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به".

وقال الله تعالى: {تُسَبّحُ لَهُ السَّمَاواتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .

قال ابن كثير رحمه الله:"يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره".

وقال ابن سعدي رحمه الله:" {تُسَبّحُ لَهُ السَّمَاواتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء} من حيوان ناطق، وغير ناطق، ومن أشجار، ونبات، وجامد، وحيٍ وميت {إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} بلسان الحال ولسان المقال، {وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي: تسبيح باقي المخلوقات، التي على غير لغتكم، بل يحيط بها علام الغيوب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت