فهرس الكتاب

الصفحة 3233 من 9994

{ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .

فإذا القلوب من أقاصي الأرض شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها ، تهفوا إلى تلك الأماكن المقدسة تقطع الفيافي القاحلة والمسافات الشاسعة وتركب الصعب والذلول وتنفق الأموال وتجهد الأبدان وما من شيء إلى أنها قد تنتقل من جنان خضراء إلى أرض صحراوية قاحلة ومن أراض غناء إلى أراض جرداء وما يحدوها إلى ذلك الشوق وتلك المحبة وذلك الفضل الذي جعله الله سبحانه وتعالى للديار المقدسة .

وكما فضل الله جل وعلا من البشر ومن الأمكنة فضل في الأزمنة فجعل هذا الشهر العظيم مفضلاً على سائر شهور العام وخصه بإنزال القرآن الكريم فيه وفضل ليلة القدر من بين لياليه وجعل الأمور والأعمال فيه مضاعفة الأجر كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله صلى الله عليه وسلم: ( عمرة في رمضان كحجة معي ) .

وذلك من تفضيل هذه الأيام المباركة ومن تعظيمها وما يقع الإنسان فيها من خير وتيسير في العبادة والطاعة .

ومن رحمته سبحانه وتعالى ومن مغفرته ومن عتقه جل وعلا من النار كما أخبر عن هذا الصيام وعن هذا الشهر رسولنا صلى الله عليه وسلم كما ورد في وسند الإمام أحمد عنه عليه الصلاة والسلام:

(الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه . قال: فيُشفّعان) .

وهذا من الفضل والأجر والمنة ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن: ( رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر ) .

ويخبرنا صلى الله عليه وسلم أن شهر رمضان شهر الرحمة والغفران .

كما أخبر في الصحيح عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه ) .

أفليس هذا موسم خير ؟ أوليست هذه فضيلة ؟ من كان له عقل ومن كان له قلب حي ومن كان له قصد في التوجه إلى الله ، ومن كان له تعلق بأن تكون أخرته عند الله خير من دنياه ؛ فإنه يقبل على هذه العبادة ؛ لأنها موسم محدود وأيام معدودة.

فالذي يفكر كما يفكر أهل التجارة وأهل الدنيا إذا جاء موسمهم وإذا جاءت الأوقات التي يعلمون أن الناس يقبلون فيها على الشراء ويدفعون فيها الأموال ، بل إنهم يجمعون أموالهم ويهيئون أوقاتهم في مواسم معينة ، أو يتكاثرون في أماكن معينة قي أوقات معينة ، فماذا يصنع أهل الدنيا من التجار إنهم يفرغون وقتهم ويبذلون جهدهم ويواصلون ليلهم بنهارهم ويعملون كل الأساليب التي تجذب الناس إليهم ؛ فإن قلت لهم: لماذا لا ترتاحون قليلاً وعندكم أيام متوالية وعندكم شهور متتالية ؛ فإنهم يقولون إن هذا موسم ومن الجهل والحمق أن تفرط في هذا الموسم الذي فيه الأجر والذي فيه الربح الكثير ، ثم بعد ذلك تجتهد في أيام لا يأتيك فيها أحد وليست بموسم وليست بوقت إقبال.

فهذا موسم الخير جعله الله - سبحانه وتعالى - من فيض رحمته وجوده وعلمه بضعف العباد وأنهم لا يقوون على الطاعة الكاملة في كل وقت وفي كل حان فجعل لهم في أيام دهرهم نفحات تهب عليهم نسمات الإيمان وتتنزل عليهم بركات وخير الرحمن سبحانه وتعالى فتتهيج قلوبهم وتنبعث نفوسهم للطاعة والعبادة وهذا هو السر الذي يقبل لأجله الناس على الطاعات لأن الخير في هذا الشهر كثير ولأنه موسم محدود بأيام وليالي معدودة فمن فاته يوشك أن يكون محروماً مطروداً .

وليس ذلك وحسب بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم -ربط فضيلة هذا الشهر وربط لنا أجره بأمر عظيم وهو ما ذكره المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال تبارك اسمه حينما قال: ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) .

فالله - سبحانه وتعالى - يطلع على صومك ويرى إخلاصك ومراقبتك له سبحانه وتعالى فيجعل جزاء الصوم منه مباشرة وكل الأعمال جزاءها من الله ولكن هذا التخصيص لمزيد من الفضل ولمزيد من بيان سر هذا الصوم وهذه العبادة ؛ لأن فيها كمال الإخلاص لله - سبحانه وتعالى - فماذا يقول في هذا الحديث ؟

( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) .

أي من أجل الله سبحانه وتعالى ومن أجل طاعة الله - سبحانه وتعالى - ومن أجل مخافة الله - سبحانه وتعالى - لا ترقبه أعين الرقباء ولا ينظر إليه أحد من الناس وإنما قلبه يستشعر رقابة الله - جل وعلا - فيكون الأجر والجزاء كفاءا: ( للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ) .

( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) .. ( في الجنة باب يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون ، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد فيقول أين الصائمون فيقومون فيدخلون منه فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد غيرهم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت