فهرس الكتاب

الصفحة 3166 من 9994

إن الثقة بالنفس تعطي صاحبها قدرة على الثبات في مواجهة الأعاصير والأحداث، ونحن في زمن يسمونه كما تسمعون عصر العولمة في زمن توجهت كل السهام والقوى والأساليب لكي تمسخ هوية المسلم، فلا يعود له طعم ولا لون ولا رائحة كما يقال، لا يعرف له نسباً ينتسب إليه، ولا تاريخاً ينتمي إليه ولا يمكن إلا أن يكون ذلك البناء المفرغ عندما يكون هناك بناء ليس فيه نوافذ وليس فيه أبواب، الريح تدخله وتخرج منه، والأشياء تدخله وتخرج منه، تعبث وتعيث فيه كما تشاء، وهذا هو حال بعض المسلمين، الذين أصيبوا بالهزيمة النفسية، حتى صاروا لا يرون في دينهم عظمة، ولا يرون في رسولهم ونبيهم عليه أفضل الصلاة والتسليم مزيّة ولا خصيصة، ولا يرون في تاريخهم فخراً ولا عزاً ولا يرون في أنفسهم شيئاًَ يذكر، لأنهم يقولون ماذا نقول القوة العسكرية عند أعداءنا التقدم الصناعي عند أعداءنا التحرك الديبلوماسي عندهم وعندهم وعندهم وكذا وكذا ويعظَّمون أعداءهم وليس عندهم من الثقة بأنفسهم ما يجعلهم يقفون ويقولون نحن عندنا ما هو أعظم من ذلك، لكننا عندنا قصوراً ولكننا نحتاج كذا وكذا، لذلك نقول من وثق بنفسه ومن أخذ هذه الثقة حق أخذها فإنه حتى وإن خلت يديه من كل أسباب المقاومة المادية، فإنه يبقى قوياً شامخاً وسأذكر فيما بعد أمثلة يسيرة على ذلك .

3 ـ الإملاك والتقدم

الثقة بالنفس تجعلك تمتلك ما تريد وتتقدم إلى ما تريد، عندهم العلم ما بالنا لا نمتلكه ولا نتقدم فنأخذه، ما بالنا لا نستطيع أن ننقلع ! ما بالنا نظل مطأطأين رؤوسنا ننتظر غيرنا ان يحل مشكلاتنا وأن يصنع لنا مركباتنا وأن يعد لنا كل أسباب حياتنا ! ونحن لا نتقدم لأن هناك هزيمة نفسية، لأن هناك عدم ثقة بالنفس، يقولون كيف يمكن أن يكون عندنا المصانع والقوة والذرية، مستحيل لماذا لأنهم كسروا وحطموا في أنفسهم الثقة والقوة التي يعتزون بها في أنفسهم فلن يستطيعوا حينئذ أن يتقدموا ولا يستطيعون من باب أولى أن يمتلكوا ولا أن يغيروا .

لعلي وأنا أتحدث إليكم أذكر هذه المعاني الثلاثة أعيد إليها أمثلة من سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن وقائع وأمثلة الحياة بعمومها، عندما نقول القوة والفعالية فيما ذكرناه من أول عناصر الأهمية، ماذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامهم وإيمانهم، قوم جاهليون يعبدون الأصنام من تمر ثم يأكلونها، قوم جاهليون عندهم عصبيات وعنجيهات وطبقيات وقوميات ، ليس لهم ذكر في التاريخ، ليس عندهم أمل ولا طموح ، يخافون من أعداءهم القوى الكبرى تسيطر عليهم بل أذيالهم من الغساسنة والمناذرة يسيِّرونهم كيف يشاءوا، ثم جاء الإسلام والإيمان غيَّر أولئك الناس ووثقوا بأنفسهم بعد إيمانهم بربهم، عرفوا أن عندهم من القوة والقدرة ما يستطيعون أن يكونون سادة الدنيا كلها، مع أنهم كانوا في الصحراء القاحلة، مع أنهم لم يكن عندهم أي شيء من أسباب المادة والقوة، ولكنهم بعد إيمانهم بالله وثقوا بأنفسهم فقال قائلهم وهو ربعي بن عامر مقالته المشهورة المعروفة:"جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

ماذا كان عندهم لم يكن عندهم شيء إلا إيمانهم بالله - عز وجل - وثقتهم بأنفسهم المعتمدة على منهج الله سبحانه وتعالى ، وعندما نقول الثبات والمواجهة أمام هذه الهجمات الشرسة، وأمام هذا التضليل العظيم وأمام المسخ الفكري والغزو الذي يحيط بالأمة وأبنائها وشبابها على وجه الخصوص، قد وقع ذلك في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، لكن ثقة النفس والبناء المحكم لها هو الذي صد تلك الهجمات .

الولاء المسجور

كعب بن مالك - رضي الله عنه - تعرفون أنه من أحد المخلفين الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك وعاقبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يقاطعهم الناس فلا يكلمونهم، في شدة تلك المقاطعة وبعد مُضِيَّ ليال متوالية، جاء إلى كعب بن مالك رجل من رسول من الدولة العظمى، يسأل عن كعب بن مالك فيشير الناس إليه ، فإذا به يسلمه خطاباً وإذا فيه:"قد علمنا أن صاحبك قلاك فالحق بنا نواسك ولم يجعلك الله بأرض هوان". أي إذا قاطعوك وهجروك فتعال إلينا وأقبل إلينا سوف نعطيك ونجعلك وتكون عندنا كذا وكذا، أليست هذه إغراءات ؟ أليست هذه مضللات ؟ فماذا قال ؟ وماذا فعل كعب بن مالك ؟ قال:"فعلمت أنها الفتنة".. هذه هي الفتنة وهو بإيمانه وثقته بربه أعلى وأرسخ من أن تناله هذه الأمور .. قال: فأخذتها وسجرتها في التنور، الغزو موجود في كل وقت، لكن إن صادف نفوساً خربة وقلوباً ميتة تمكن منها، وإن صادف نفوساً حية وقلوباً واثقة رد على أعقابه خاسئا خاسراً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت