فمن النفوس النفس المطمئنة وصفها الله بقوله: { يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية* فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي } .
تلك صفتها وهذه عاقبتها .
2 ـ النفس اللوامة
وقال الله في وصفها والقسم بها: { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ، فيها خير وشر تلوم على الشر وتعود بصاحبها ثم تُسْلمه مرة أخرى بهواها إلى غير مراد الله عز وجل، فهو يتقلب بين خيرها وشرها لم يستطع تغليب الخير على ا لشر .
3 ـ النفس الأمارة بالسوء
النفس الأمارة بالسوء قد استوليت عليها شهواتها، وتمكنت منها ملذاتها، وسيطرت على قيادتها موطن السوء فيها، وهي التي قال جل وعلا في صفتها: { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ، وأمَّارة صيغة مبالغة .
المعالم الرئيسة في جهاد النفس
كما لخصها ابن القيم رحمه الله
المرحلة الأولى: جهاد تعلم الهدى
أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق ؛ فإن هذه ا لنفس خالقها الله عز وجل، ولا يمكن أن تستقر ولا يمكن استخراج ما فيها من الخير، إلا بإيمانها وتعلقها بخالقها .
المرحلة الثانية: جهاد العمل
أن يجاهدها على العمل بهذا العلم الذي علمه، فإن النفس لا تنال الثمرة بمجرد الفكر والنظر، قد أقول: إن فعل الخير هو المطلوب، وإن فعل الخير هو المرغوب، وإن فعل الخير هو الذي تكون عاقبته كذلك، كلنا يعرف ذلك نظراً وعقلاً لكن لا يدخل إلى نفوسنا من أثر ذلك إلا نزرٌ يسير، لكننا إن فعلنا الخير انعكس ذلك على نفوسنا، دخل الضياء فبدد ظلمتها، ودخلت السكينة فبددت حيرتها، ودخل اليقين فبدد شكها، وهكذا العمل هو الذي يثمر .
المرحلة الثالثة: جهاد الدعوة
أن يجاهد على الدعوة عليه ؛ فإن من ذاق عرف، ومن عرف أراد ان يبصر وأن يرشد إلى ما لقي من لذة هذه الاستقامة على أمر الله عز وجل، وأخيراً أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
هذه المقدمة عرفنا فيها النفس بطبيعتها المتقلبة ومشقة قيادها وتنوع أصنافها، والأمور الجامعة في سلاسة قيادتها .
الثقة بالنفس
معنى الثقة:
الثقة لغة: الثقة مشتقة من الفعل الثلاثي وثق، وهي كلمة تدل على العقل والإحكام، يعني على الضبط والقوة والتمكن، ووثقت الشيء أحكمته، والميثاق هو العهد المحكم، والمواثقة هي المعاهدة، بمعنى أن الثقة هي إحكام الأمر والاطمئنان إليه، وضبطه بحيث يمكن الانتفاع به والاستفادة منه، والاعتماد عليه والبناء عليه، أما الأمر الذي لا يكون محكماً ؛فإنك لا تستطيع أن تعتمد عليه، إذا أردت أن تصعد على مكان؛ فإنك أولاً تريد أن ترى هل هذا المكان ثابت وصلب، حتى تضع قدمك وتستطيع أن ترتقي، أما إذا كان بناء هشَّاً أو خشباً متهالكاً تضع قدمك تعتمد عليه ترتفع فإذا به يهوي بك، فالثقة معناها:"إحكام الأمر بحيث يعتمد عليه وبحيث يمكن الاستفادة منه والبناء عليه"، ولذلك يقولون:"الوثيقة بالأمر هي إحكامه والأخذ بالثقة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( واخلع وثائق أفئدتهم ) ، أي العقود والعهود التي تكون في النفوس، والله - عز وجل - قال في كتابه: { وميثاقه الذي واثقكم به } ."
والثقة عندما تقول وثقت بشيء أي ائتمنته ، فإذا ائتمنت إنسان، ماذا يكون تصرفك معه؟ تكون مطمئناً إليه تستطيع أن تأتمنه على سرك، تستطيع أن تستعين به في عملك، تستطيع أن تستنجد به في خطبك لأنك تثق به، أما إذا لم يكون عندك ثقة به فإنك إذا وقعت بك ملمة ؛ فإنك لا تستنجد به ؛ لأنك لا تكاد تطمئن إلى إجابته، ولا إلى نصرته، ولا إلى علاقته وأخوته ونحو ذلك .
ثم النفس تعرفها صعب جداً، وقد اختلف أهل العلم وعلماء النفس والفلسفة في تعريفها، وبالجملة تدور هذه المعاني قبل أن ندخل فيها بين النفس والروح والعقل، وهل هما شيء واحد أم هي أشياء مختلفة ومتفرقة .
معنى النفس لغة:"مشتقة في اللغة من النفَس، وهو الريح الذي يخرج"، سمي ذلك ؛ لأن النفس هي الروح أي الحياة، وهو ذلك ذلك النفس والريح الذي نأخذه من الهواء ونخرجه كما نعرف والذي يعتبر توقفه توقف الحياة، ولذا قالوا في تعريفها النفس هي الروح، ولذلك تطلق النفس على الإنسان كله، كما ذكر ابن عباس لكل إنسان نفسان، نفس هي العقل الذي يميز به، والأخرى هي نفس الروح التي بها الحياة ؛ فإن أراد أن يبين أن النفس تطلق على الحياة، وهي وجود الحركة والقوة الفاعلة، والنفس وهي القدرة الفاعلة والمتحركة، ثم النفس وهي القوة العاقلة والمدركة وكلاهما يطلق عليه نفس .
الثقة بالنفس اصطلاحاً: أن يكون هناك إحكام لأمرها واعتماد عليها استناداً إلى ذلك الإحكام .
والإحكام معناه حينئذٍ: أن يكون الإنسان قد عرف المنهج الذي يسوس به نفسه، ثم طبق هذا المنهج ثم استمر عليه؛ لأن الرجل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستنصحه ويقول له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ! قال له: ( قل آمنت بالله ثم استقم ) .