يقول ابن عباس رضي الله عنهما: إن فيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية فلوددّت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي إليه أبدا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به من سائمة ( [23] ) .
وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع رسول الله ونحن ستة نفر، فقال: المشركون: اطرد هؤلاء عنك فإنهم وإنهم (أي واجعل لنا مجلسا خاصا بنا) قال: فوقع في نفس النبي من ذلك ما شاء الله فحدث به نفسه (أي رجاء إسلامهم) فأنزل الله عز وجل: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ( [24] ) . وفي رواية قالوا: اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك ( [25] ) .
والمتأمل في أحوال المسلمين يجد الفرقة والشتات والتمزق فيأتي دعاة الإقليمية فيزيدوا الفرقة فرقة، والضياع ضياعا: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف:104] .
الاستعلاء على المناصب: وإذا ترحل الإخلاص من القلوب، انحرف العبد في عبوديته فيكون عبدا لغير الله سبحانه من درهم أو دينار أو منصب أو جاه. ولما كان الكذب سمة غير المخلصين لذا تجد المهزلة في وصف التكالب على الدنيا، واستباحة الدماء جهادا وإحقاقا للحق.
قام أبو بكر من الغد حين بويع فخطب الناس فقال: يا أيها الناس، إني قد أقلتكم بيعتكم (أي رددت عليكم بيعتكم) إني لست بخيركم فبايعوا خيركم. فقاموا إليه فقالوا: يا خليفة رسول الله أنت - والله - خيرنا ( [26] ) .
وذلك لعلمهم أن الأمر عظيم، والتبعة كبيرة، والسؤال عنها خطير، والعذاب شديد لمن ضيع. وللحديث: (( ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه، أولها سلامة، وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة ) ) ( [27] ) .
وأما ما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور أصحاب رسول الله بهذه السمات؟
1-الوحي: الذي كان يرصد كل حركة وكل همسة وكل نجوى، وتنزل آيات الله تتلى في كشف أستار النفوس وما فيها من عوار أو صلاح، الأمر الذي جعل الأصحاب رضوان الله عليهم تحت رقابة صارمة لا تعرف المحاباة، فكانت ثمرتها الاستشعار لرقابة الله سبحانه، والانضباط في السر والعلن، والحذر من الوقوع في المخالفة فكل هذا وغيره كان ببركة الوحي الذي استشعرت أم أيمن فقده وانقطاعه، وقد قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله: (( انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ، قالت: أنا لا أبكي لذلك لأني أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فجعلا يبكيان معها ) ) ( [28] ) .
أما وأن الوحي قد انقطع فليدع الإخلاص المنافقون وليدع الصدق الكاذبون ففي الأمر سعة ولا تعرف الحقائق إلا بعد الفواجع: نسأل الله العافية.
2-وجود رسول الله: كان له الأثر العظيم في وجود أصحاب رسول الله بهذه السمات حيث:
أ / القدوة: والتطبيق العلمي الواقعي فقد كان قرآنا يمشي على الأرض ووصفته عائشة رضي الله عنها فقالت: (( كان خلق نبي الله القرآن ) ) ( [29] ) .
ب/ المعجزات الحسيّة: التي أيد الله بها رسوله من نبع الماء بين أصابعه وتكثير الطعام وحنين الجذع والأخبار بأمور مستقبلية وكشف لنوايا القلوب، كل هذا كان يزيد الأصحاب إيمانا ويقينا وهم يرون ذلك رأي العين.
ج/ الشخصية التي تجتمع عليها القلوب: فلا تنازع ولا اختلاف ولا داء الأنا الذي ورثه الكثيرون عن الشيطان: أنا خير منه [الأعراف:12] . كل ذلك الأصحاب في منأى عنه ونجاة وانشغال بما هو أنفع لدينهم وآخرتهم ودعوتهم.
3.المحك الذي تتميز عنده القلوب:
حيث الشدائد والمحن، وأجواء المواجهة والتحدي كل هذا كان لا يسمح بدخول الأدعياء والمنافقين في صفوفهم عندما كانوا في مكة مستضعفين.
الجهاد الذي كان يفرض على كل قادر سليم أن يؤدي دوره في الدفاع عن الإسلام ونشره في أرجاء الدنيا.
وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة العسرة ونظرة المجتمع المسلم إليهم واعتزاله لهم، في مثل هذه الأجواء، تتكشف حقائق القلوب وتعرف للرجال أقدارهم فليس الأمر تشدق بعبارات رنانة جوفاء - وخيالات وتأملات خواء. لقد كان الأمر جدا فأصبح هزلا.
وضوح الأولويات: لقد كان أصحاب رسول الله واضحة عندهم المعالم من تقديم لقول الله ورسوله وحرص على وحدة أمة محمد وتوجيه الطاقات لإزالة المنكر الأكبر واستشعار خطر العدو المشترك وتقديم للأصول على الفروع والفرائض على السنن وجواز تعدد الصواب في دائرة الشرع والبعد عن اختلاف القلوب والحرص على الجانب العملي والمسارعة في الخيرات وعالمية الدعوة والحب والمساعدة.
البعد عن المهاترات والنزاعات: