فهرس الكتاب

الصفحة 3082 من 9994

انظروا .. فماذا ترى ؟ قد يرى الرائي إذا نظر بغير منظار إيمان صورة سوداء أو شوهاء ، ويدقّ في قلبه بأس عجيب ، ويظن أن الأمر قد قضي ، وأن الأمة لابد أن تتراجع وأن تتخاذل ، وأن تعطي لأعدائها ما يشاؤون !

إلا أن الناظر بنظر الأيمان يرى مثل هذه الصور تتجلى من جديد .. إخواننا في البوسنة والهرسك الذين ظن الأعداء - الذين تكالبوا عليهم بصورة تشبه بل قد تكون أشد مما تكالب الأعداء يوم الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم - وجاءهم صرب وكروات ، ومن ورائهم قوي عظمى ، ومن ورائهم دول ، ومن ورائهم حيل وسياسات ومؤامرات .. ومع ذلك مازال صمودهم وثباتهم بحمد الله عز وجل راسخاً ! بل قد رجع كثير منهم إلى الله عز وجل ، وأصبح لسان حالهم يردد: { إنا لله وإنا إليه راجعون } ، واصبح حالهم كأنه يمضى إلى تحقيق الوصف الرباني { وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } .

ولسان حالهم يذكرنا بما قص الله علينا من شأن محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } .

هل ترونهم ينظرون إلى مدد من شرق أو غرب وهل تروهم يعتمدون على قوة مادية أو عسكرية.

ومع ذلك انظروا على ما فتح الله عليهم ومن النصر والإيمان ، وقبل ذلك إلى ما سكب في قلوبهم من اليقين والطمأنينة ، ومن رجوعهم إلى ربهم وصلتهم بمولاهم ، وخضوعهم له سبحانه وتعالى .. وإذا بهم يرجعون إلى القرآن ، وإلى حلق الذكر ، وإذا بنسائهم يمضين في طريق فيه التذكر ولبس الحجاب .. وغير ذلك من الأمور.

ثم انظروا إلى ما فتح الله عليهم ، فإذا بهم اليوم في الآونة الأخيرة ينتصرون ، ويعجب المرء كيف ينتصر الضعفاء العزل المحاصرون الذين ليس في ديارهم ماء ولا كهرباء ولا كساء ولا غذاء ، كيف يكون مثل هذا ؟ كيف ينتصرون ويفتحون فآريس وخمس مدن وقرى كرواتيه ، ويطردون عشرات الآلاف من أولئك الأراغل الأعداء ؟

كيف يثبتون هذا الثبات في سراييفو العاصمة التي كل لحظة يتهدد أصحابها وسكانها الموت ، إما برصاص وإما بقذاف وإما بجوع وإما بأية صورة من الصور.

يحصد الموت الناس حصداً ، ومع ذلك تجد الواحد منهم يقول:"ثابتون صامدون ، وبقضاء الله عز وجل راضون".

وانظر إلى فضاعة أعداء الله عز وجل وإرهابهم وتطرفهم ، وكل الأوصاف الذميمة التي يريدون إلصاقها زوراً وبهتاناً بأهل الإسلام والإيمان هي فيهم.

وكان الناس يذكرون الصرب ، وأنهم ظلمة ، وأنهم قساة ، وأنهم طغاة ، فجدد الكروات ما أنسى سيرة الصرب ..

ونعلم قصة القرية التي أحرقوها عن بكرة أبيها ومن فيها من رجالها ونساها وأطفالها وبيوتها ، حتي أذهلوا الناس والعالم أجمع ، ومع ذلك ما فتّ ذلك في عضد أهل الأيمان ، وما رفعوا أيديهم استسلاماً ، وما قالو حسبنا هذا ! وإنما قالوا: { حسبنا الله ونعم الوكيل } .

وانظروا إلى إخواننا في كشمير اليوم ، وهم قد حوصروا في أعظم مسجد من مساجدهم"مسجد حضرة أبال"يحاصره خمسة عشرة ألف جندي ، والطائرات المروحية والقوات ، ومنع التجول ، وبعد ذلك يحصدون ، وإذا بالحصاد في بضعة أسابيع يبلغ مئات ، ومع ذلك ما يزالون صامدين ، وما يزالون في أوج مواجهتهم وجهادهم ، يتمسكون بالله عز وجل وبكتابه ، وبهدى نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويثقون بالنصر ثقة ليس فيها شك .. حتى يقول قائد من قوادهم ، وهو من زعماءهم الكبار:"إن الجهاد في كشمير ماضٍ في طريقة حتى نهايته المنطقية ، وإن الشعب الكشميري قد وصل إلى منطقة اللا عودة".

بل علماء الأيمان والإسلام في تلك الديار يحثون المؤمنين على الصبر والثبات والصمود ، وعلى أن لا يضعفوا وأن لا يجبنوا أمام أعداء الله عز وجل ، ويفتون بكفر من يكون عوناً للأعداء على المجاهدين والمسلمين في أرض كشمير المسلمة.

وانظروا إلى كل مكان ، وانظروا إلى إخواننا في أرض الإسراء وما قد أثلجوا به صدورنا مما يظهرون من مظاهر القوة والاستعلاء { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .

صبر وثبات لا يتغير ولا يتبدل ، مع استقامة على أمر الله وشرع الله والصياح والهتاف:"الله اكبر .. الله أكبر".

والأيدي المرتفعة متوضئة ، وهي ترفع في أيديها المصافح تغيرت بعض ملامح الأمة ، فاصطلحت في بعض أحوالها وأشخاصها وديارها مع الله عز وجل ، فجاءها بعض هذا النصر ، وارتسمت لها بعض مسالك التمكين ..

فالله الله في تجديد ما ذكر الله سبحانه وتعالى من هذه السنن ، وأن تكون أوثق بالله عز وجل ، أوثق بنصرة ووعده من كل شئ في هذه الأرض ومن كل قوة في هذه الدنيا ، والله لتعلمن نبأه بعد حين ، والله منجز وعده ، ومنزل نصره .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت