فهرس الكتاب

الصفحة 3080 من 9994

وانظر إلى قصة يوسف - عليه السلام - لترى هذه المعادلة الايمانية واضحا ًفي قصة فردية ، فإذا بيوسف - عليه السلام - من غيابة الجب وظلمته ، إلى رحابة الأرض وسعتها ، ثم إذا به من ذل الأسر إلى عزّ القصر ، ثم بعد ذلك من ظلمة السجن إلى سدة الحكم .. ثبات وصبر وارتباط بالله ، بإذنه - عزوجل - يفرج كل كرب ، وينفس كل هم ، ويزيل كل ضائقة

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لاتفرج

وانظر إلى المثل الآخر في قصة جماعية ، قصّها الله - جل وعلا - علينا من قصص الأمم الغابرة ، وهي من أكثر القصص القرآنية تكرراً في كتاب الله عز وجل .. قصة فرعون ، وهي متشعبة متعددة الجوانب متكاثرة في أسلوب عرضها في كتاب الله سبحانه وتعالى ، ومن ذلك العرض الذي جاء إيجازه في بعض صور القران قوله جل وعلا: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } .

هذه إرادة الله ولا راد لقضاءه وإرادته سبحانه وتعالى { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .

والله - سبحانه وتعالى - قد ذكر لنا من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم أمثلة كثيرة ، غير أن منها مثلاً فريداً ظاهراً في هذا الأمر ، في صبر أهل الإيمان ويقينهم بالله ، وما يترتب على ذلك من النصر والتمكين لهم بإذن الله ، وتتجلي هذه الصورة في أهل النفاق .. في ضعف يقينهم ، وزوال أيمانهم ، وفي حرصهم على دنياهم ، وفي تخذيلهم للصفوف ، وتفتيتهم لعرى الروابط في صفوف أهل الأيمان .. ذلكم هو الوصف القرآني لما كان من شأن الأحزاب الذين تألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم ، وليس أبلغ من وصف القرآن { إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } .

اجتمع عليهم شدة الخوف ، مع شدة الجوع ، مع شدة البرد ، ولم يكن هناك بارقة أمل ، ولم يكن هناك في نظر أهل الارض وأهل النظرات المادية مهرباً ولا منفذاً ! إنما كان الفناء الماحق والهلاك المتحقق ، وزلزلوا زلزالاً شديداً .

ثم يأتي وصف القرآن لأهل النفاق بعد إن مرت بهم هذه الظروف ، فيقول جل وعلا: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }

كان أحدهم يقول:"إن محمد صلى الله عليه وسلم يعدكم بكنوز كسرى وقيصر ، وإن أحدكم لايستطيع إن يمضي خطوات ليقضي حاجته !".

{ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا .. } .

أما لكم بهذه القوى المجتمعة والمؤامرات العظيمة والأسلحة الفتاكة والخطط المحكمة !

{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً }

جبناً وخوفاً وهلعاً .. كفراً ونفاقاً ، ولذلك جاء هذا الوصف القرآني يعري صورتهم ، ويكشف حقيقتهم ، ويضرب المثل بأشياعهم ونظرائهم في كل مجتمع إسلامي وفي كل زمان ومكان .. { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً 14} وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت