فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 9994

ولقد أمر الله تعالى المؤمنين بالهمة العالية والتنافس في الخيرات فقال عز وجل: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} 14. وقال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} 15. وقال: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتٌِ} 16. وقال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} 17. وقال تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} 18.

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من العجز والكسل، وقال لأصحابه:"إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها"19.

وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أكمل حالات المؤمن ألا يكون له هم إلا الاستعداد للآخرة ، فقال صلى الله عليه وسلم: من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له20.

وعامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها، واستحثاثها للتنافس في الخيرات.

قال صلى الله عليه وسلم: إذا سألتم الله فأسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة21.

أيها المسلمون: إن من سجايا الإسلام التحلي بعلو الهمة وذلك يجلب خيرًا غير مجذوذ، ويجري في العروق دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل.

إن التحلي بعلو الهمة يسلب سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث شجرة الذل والهوان، والتملق والمداهنة ، قال الشنقدي:

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحول

أديم مطال الجوع حتى أميته وأصرف عنه الذكر صفحًا فأذهل

وأستف ترب الأرض كي لا يرى له علي من الطول امرؤ متطول

بارك الله لي ولكم في القران العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد:

أيها المسلمون: لا يظنن ظان أن حديثنا عن علو الهمة، وأننا عندما نتحدث عن علو همة أسلافنا العظام يعني الانطواء في الماضي وقطع الصلة بالحاضر والمستقبل، وإلا صرنا كالترجمان الذي يتوقف أمام الآثار ويشيد بالماضي فحسب، دون أن يقدم شيئًا للحاضر.

ولا يظنن ظان أننا بهذا الحديث عن علو همة سلفنا الصالح، وعن مجدهم وعزهم أننا نرجع إلى الوراء في زمن تسابق فيه الأمم نحو المستقبل، فإن اقتداءنا بخير أمةٍ أخرجت للناس هو ترق وصعود وارتفاع إلى مستوى ذلك الجيل الفريد الذي لم تعرف البشرية له نظيرًا، وإن إبراز هذه النماذج أقرب طريق إلى إيقاظ الهمم نحو إصلاح هذه الأمة التي لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } 22. وباب المجد والمكرمات لم يزل مفتوحًا يرحب بكل راغب:

إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منه ما يعجبك

فليس لدى المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك

فيا من يروم ولوج هذا الباب واجه الحقائق، وتبصر موقع قدمك، ولا تفزع إلى انتظار خراب العالم على أمل أن ينهض المسلمون على أنقاضه، ولا تهرب إلى افتراض حصول خوارق للسنن التي لا تحابي من لا يحترمها، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 23. وتذكر يوم بدر حين خرج ثلاثة من الأنصار فقالوا: والله لا نطعن في أحسابهم ولا أنسابهم، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش، فأخرج لهم عليًا وحمزة وأبا سفيان بن الحارث فقتلوهم وكذلك الناس دومًا ، تحب المكافأة حتى إذ هم يقتلون، والقرشية اليوم تتمثل في الصروح العلمية، والمجامع الأدبية، والمؤسسات الصحفية والمعاهد السياسية والدور الوثائقية، والشركات الصناعية، والقاعات المصرفية، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة 24

هذا زمان لا توسط عنده يبغى المغامر عاليًا وجليلا

كن سابقًا فيه أو ابق بمعزل ليس التوسط للنبوغ سبيلا

وأنت أنت أيها المصلح المرتقب، والمجدد المنتظر، ستخرج إلى الحياة بإذن الله مهما حاول الفرعون أن يتقيك، ومهما وأد من الصبية كي يبدل وعد الله الذي لا يخلف، قد تكون الآن كامنًا في ضمير الغيب، أو حقيقة في عالم الشهادة، قد تكون رضيعًا في المهد، أو لعلك نشئت تقرأ الآن هذه السطور:

أنت نشء وكلامي شعل عل شدودي مضرم حريقا

ليس في قلبي إلا أن أرى قطرة فيك غدت بحرًا عميقا

لاعرى الروح هدوء ولتكن بحياة الكدر والكدح خليقا

إن أمتك المسلمة تترقب منك جذبة عمرية توقد في قلبها مصباح الهمة في ديجور هذه الغفلة المدلهمة، وتنتظر منك صيحة أيوبية تغرس بذرة الأمل في بيداء اليأس وعلى قدر المئونة تأتي من الله المعونة، فاستعن بالله ولا تعجز.

قد نهضنا للمعالي ومضى عنا الجمود

ورسمناها خطى للـ ـعز والنصر تعود

فتقدم يا أخا الإسـ ـلام قد سار الجنود

ومضوا للمسجد إن المجد بالعزم يعود

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} 25. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:مثل أمتي مثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله وقال صلى الله عليه وسلم: لا يزال الله في هذا الدين غرسًا، يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة26.

وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله زوي لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي يبلغ ملكها ما زوي لي منه27

وقال صلى الله عليه وسلم:ليبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعزل الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر28.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه.29

1 - (102) سورة آل عمران.

2 - (1) سورة النساء.

3 - (70) - (71) سورة الأحزاب.

4 -علو الهمة لمحمد إسماعيل مقدم ص411 نقلا ً عن (تذكرة دعاة الإسلام ص56) .

5 -سورة البقرة: 61

6 -سورة الأعراف: 175 -176

7 سورة التوبة 87

8 -سورة التوبة 46

9 -سورة التوبة 38

10 -سورة الأحقاف 35

11 -سورة التوبة 108

12 -سورة النور 36 -37

13 -سورة الأحزاب 23

14 -سورة الحديد 21

15 -سورة آل عمران 133

16 -سورة البقرة 148

17 -سورة الذاريات 50

18 -سورة النساء 95

19 -رواه الطبراني من حديث الحسين بن علي رضي الله عنه وصححه الألباني.

20 -رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه وصححه الألباني.

21 -رواه البخاري.

22 -سورة الأنبياء 10

23 -سورة الرعد 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت