وعن عُروة بن الزُّبير أنهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ود أكبرهم وأبرَّهم به، وهكذا أخرجه عمر بن شبة في"كتاب مكة"من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: كان لآدم خمس بنين فسمَّاهم، قال: وكانوا عُبَّاداً، فمات رجل منهم فحزنوا عليه، فجاء الشيطانُ فصوَّره لهم، ثم قال للآخر إلى آخر القصة، وفيها: فعبدوها حتى بعث الله نوحاً. ومن طريق أخرى أنَّ الذي صوَّره لهم رجل من ولد قابيل بن آدم8.
أصلُ الشِّركِ:
هو تسوية غير الله بالله-تعالى-،أو هو تشبيه غير الله بالله-تعالى-في صفة من الصفات التي يختصُّ بها؛ مما لم يُعْهَدْ في جنس الإنسان، فالذي يعبد كائناً ما من دون الله فيدعوه أو يطلب منه الشفاعة أو يخافه، أو يتخذ حكمه شرعاً له... إنما يفعل ذلك لأنه يعتقد أنه صاحب سلطة وحكم على الخلق..
يقول ابن تيمية رحمه الله:"وأصل الشرك أن تعدل بالله- تعالى- مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل أحد بالله شيئاً من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك".9والصورة الواضحة الجلية لهذا الشرك هي عبادة الأصنام، التي كانت تتخذ سابقاً في عصور الجاهلية القديمة من حجر أو خشب... ولكنها تظهر في عصور أخرى بمظاهر شتى قد تكون مذهباً من المذاهب الفكرية، أو الاقتصادية،وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس فيتخذونها آلهة.. وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية والمادية التي تسيطر على الناس، على ما حكاه الله- تعالى- عن أقوام فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} 10، ويبحث العلماء تحت هذا الشرك أنواعاً من العبودية لغير الله، كشرك الدعاء سواء كان دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، مما لا يجوز أن يُتوجه به إلا لله-تعالى- وحده؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة. وكذلك شرك العبادة والتقرب الذي يظهر جلياً وواضحاً في عبادة الأصنام وإعطائها بعض خصائص الألوهية، أياً كانت هذه الأصنام وبأي صورة ظهرت. ولا يقل عن هذا اللون من الشرك ما يُسمَّى -أيضاً- بشرك طلب الشفاعة من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله-تعالى-..وكتب العقيدة والتوحيد أفاضت في بيان ذلك كله. وتبقى ألوان أخرى من الشرك الأكبر قد تكون اتسعت دائرتها في العُصُور الأخيرة، أكثر مما كانت في عصور سابقة،وذلكم هو شِرْكُ الطاعة والاتباع،وشرك المحبة والنصرة.
وقد اتفق العلماءُ على أن الحكم لله وحده-سبحانه وتعالى-، فهو المتفرد بالخلق فينبغي أن يكون متفرداً بالأمر. فلا أحد يستحقُّ أن ينفذ حكمُهُ على الخلق إلا من كان له الخلق والأمر - سبحانه وتعالى-، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الله الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما غيره- سبحانه-، فلا يجب شيء بإيجابه، بل بإيجاب الله- تعالى- طاعتهم11.وقد تواردت النصوص الشرعية تؤيد هذا المنطق السليم وتؤكده، فهي تُلْزِم البشر باتباع ما جاء من عند الله- تعالى-، وتحرِّم عليهم تحريما قاطعاً اتباع ما يخالفه قال-تعالى-: {اتَّبِعْ َا أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ} 12وقال-تعالى-: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} 13.. والآيات في ذلكَ كثيرةٌ تفوق الحصر.. توجب الحكم بما أنزل الله، وتحكم بالكفر والفسق والظلم على كل من يخالف حكم الله-تعالى-.