-يمنع الزكاة في الناض دون غيره، وهذا قول مالك.
-لا يمنع أصلاً لا ناضاً ولا حبوباً ولا غيرها؛ لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهذا مروي عن جماعة من أهل العلم20.
وأما من له دين فينقسم إلى قسمين:
من كان مدينه معترفًا به باذلاً له ففيه أقوال:
-عليه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، غير أنه لا يؤدي حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له وهو الحول، روي ذلك عن علي -رضي الله عنه- وبه قال الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي21.
-عليه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه، والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته، كالوديعة، وبهذا قال عثمان بن عفان وابن عمر -رضي الله عنهما-من الصحابة، وجماعة من التابعين والشافعي وإسحاق وأبو عبيد22.
-ليس في الدين زكاة؛ لأنه غير نامٍ فلم تجب زكاته كعروض القنية، وهذا مروي عن عائشة وابن عمر -رضي الله عنهما- وعكرمة23.
-يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، روي هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وأبي الزناد24.
-الدين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، كما لو كان على معسرٍ، ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مالٍ لا ينتفع به، وأما الوديعة فهي بمنزلة ما في يده؛ لأن المستودع نائب عنه في حفظه ويده كيده، وإنما يزكيه لما مضى، لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به، فلزمته زكاته كسائر أمواله، وهذا قول الحنابلة25.
أن يكون مدينه معسراً أو جاحداً أو مماطلاً به على قولين:
-لا تجب؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به، أشبه مال المكاتب، وهذا قول قتادة وإسحاق وأبي ثور وأهل العراق ورواية عن الشافعي.
-يزكيه إذا قبضه لما مضى؛ لما روي عن علي -رضي الله عنه- في الدين المظنون: قال: إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى. وروي نحوه عن ابن عباس رواهما أبو عبيد، ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على الملِّي، وهو قول الثوري و أبي عبيد ورواية عن الشافعي.
-يزكيه إذا قبضه لعام واحد وهذا عن عمر بن عبد العزيز و الحسن و الليث والأوزاعي ومالك26.
شروط وجوبها المتعلقة بالمال:
يشترط لوجوب الزكاة أن يبلغ المال المملوك نصابًا، ومضى عليه الحول وهو مالكه، والنصاب معناه في الشرع: ما نصبه الشارع علامة على وجوب الزكاة وحولان الحول في غير الزروع والثمار؛ فإنه يجب فيها من دون حول الحول27.
حكم منكر الزكاة ومانعها:
من أنكر وجوبها جهلا به وكان ممن يجهل ذلك، إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار عرِّف بوجوبها، ولا يحكم بكفره؛ لأنه معذور28. أما منكرها وهو من المسلمين الذين نشؤوا في بلاد المسلمين، ولم يخْفَ عنه حكمها فكافر بالإجماع لأنه منكر لمعلوم من الدين بالضرورة، ولأن أدلتها الكتاب والسنة والإجماع، قال الحافظ ابن حجر: وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر29.
وأما من منعها ولم يؤدها مع إقراره بوجوبها فهو داخل تحت الوعيد الشديد، فقد جاء في الحديث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ...الحديث) 30.
وهو إما أن يقدر الإمام على أخذها منه فيعزره ولا يأخذ زيادة عليها، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وكذلك إن غل ماله وكتمه حتى لا يأخذ الإمام زكاته فظهر عليه، وقال إسحق بن راهويه وأبو بكر عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله31.
وإما أن يكون مانع الزكاة خارجًا عن قبضة الإمام، فيقاتله الإمام؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- قاتلوا مانعيها، فان ظفر به وبماله أخذها من غير زيادة أيضًا، ولم تسبَ ذريتُه؛ لأن الجناية من غيرهم، ولأن المانع لا يسبَى، فذريته أولى، وإن ظفر به دون ماله دعاه إلى أدائها، واستتابه ثلاثًا فإن تاب وأدى وإلا قُتِل، ولم يحكم بكفره.