وسِباقُ الخيلِ حلالٌ، ولكن عندما يُصْبِحُ السِّباقُ بُؤْرَةً للمراهَناتِ، فإنَّ السباقَ يدخلُ دائرةَ المَيْسِرِ والقِمارِ المُحَرَّمِ والمَنْهِيِّ عنه، وكُرَةُ القدمِ من أنواعِ الرياضةِ المباحةِ، ولكنْ شريطةَ ألا تَشْغَلَنَا عنْ واجباتٍ ثِقالٍ تلاُحِقُنا من يمينٍ وشِمالٍ، ونحن نلاحظُ أن الرياضةَ ـ وخاصَّةً كرةَ القدمِ ـ صارتْ كالبلاءِ أو كالسُّعارِ، حيثُ انحرفتْ عنْ طَريقِها المقبولِ، وزادتْ عن حدِّها المعقولِ، فالجماهيرُ الغفيرةُ منَ الناسِ تتْرُكُ أعمالَهَا من أجلِ كرةِ القدمِ، والألوفُ تتجَمَّعُ حَوْلَ أَجْهِزَةِ التلفزيونِ لمشاهدةِ هذِهِ المبارَياتِ بِحِرْصٍ وشَغَفٍ مجْنونَيْنِ، وليتَ هذه المشاهدةَ تَتِمُّ في هدوءٍ وحكمةٍ، ولكِنَّها تمتلئُ بالصَّخبِ والضَّجيجِ، والمناقشةِ الحادَّةِ، والتَّعصُّبِ الأحمق، مما يؤدِّي إلى خلافٍ عنيفٍ، أو إلى خصومةٍ هائجةٍ بين الأصدقاءِ والمعارفِ، وبين الأزواجِ والزَّوْجاتِ، وبين الأبناءِ والآباءِ، قدْ تبلغُ حدَّ التقاذُفِ بالتُّهمِ والشتائمِ...
واليومَ أو غداً، أو فيما يُسْتقبلُ من الأيامِ ستُطالِعُكُمُ الصُّحُفُ والإذاعاتُ بأخبارِ من يموتُ بالسَّكْتةِ القلبيةِ لأنَّ فريقَ الكرةِ الذي يُحِبُّهُ قدِ انهزمَ، والزَّوْجُ الذي ضَرَبَ أو طلَّقَ زوجتَهُ غيْظاً، وستسْمعون من كسَّرَ تِلْفازَهُ غضباً وسُخطاً، والتِّجارةُ ستبُورُ، ومصالحُ الناسِ ستتعطَّلُ، والمساجدُ ستزدادُ خُلُواً منَ المُصلِّينَ في الأوقاتِ التي توافقُ بثَّ المبارياتِ، حتىَّ وجدنا منْ يسْألُ ويَسْتفْتِي: هل يجوزُ تأخيرُ صلاةِ الجمعةِ اليومَ إلى أن تنتهيَ مُباراةُ الافتتاحِ ؟ لأنَّه سَيُحْرَمُ من مُشَاهَدَتِها، أو على الأقَلِّ سيُحْرَمُ من شَوْطِها الأولِ، ولا عليهِ أنْ يحضُرَ متأخِّراً للصَّلاةِ، لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ بَلَغَ الحِرْصُ على مُشاهَدَةِ مُبارَيَاتِ كُرَةِ القَدَمِ، يا لَيْتَنَا كُنَّا نَحْرِصُ عَلَى الصَّلاةِ مِثْلَ هَذَا الحِرْصِ، أما من طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم مِمَّنْ جَعلُوا الكُرَةَ مَعْبُودَهُمْ، فقد تخلَّفُوا عنِ الجمعةِ لمشاهدةِ مباراةِ الافتتاحِ، لأنَّهُ لا يُمكنُ لهم أنْ يحرِمُوا أنْفُسَهم من مُتْعَتِها وخيرِها وفضلِها الَّذي يفوقُ في ميزانِهِم فضلَ صلاةِ الجمعةِ الذي قال فيه رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ... ) )ـ رواه مسلم ـ.
إنَّ من شَغَلَتْهُ الكرةُ عنِ الصَّلاةِ، أو أجَّلَ وأخَّرَ الصَّلاةَ عن وقتِها من أجْلِ الكُرَةِ عليه أنْ يُرَاجِعَ إيمانَهُ، ويَعْلَمَ أنَّ طاعَتَهُ للهِ ورَسُولهِ ناقصة ومغشوشة، وحالُهُم كحالِ أولئكَ الذين نَزَلَ فيهم قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرزِقِينَ [الجمعة:11] .
لقد أصبح أمرُ هذه الأمَّةِ عجيباً ـ أيها الإخوةُ ـ إسرافٌ في اللهوِ لا مثيلَ لهُ، حالةُ الطوارئِ أُعلِنَتْ في جميعِ القنواتِ التلفزيةِ، والجرائدِ اليوميةِ والأسبوعيةِ التي تُصْدِرُ ملاحقَ عنِ الملهاةِ العالميةِ، لا حديثَ في الشارعِ والبيوتِ إلا عنِ الكُرَةِ، ثلاثُ إلى أربعِ مقابلاتٍ يومياً، بمعدَّلِ خمسِ إلى ستِّ ساعاتٍ، يضافُ إليها التعليقاتُ والملخَّصاتُ، وقراءةُ الملحقاتِ الرياضيةِ، لهوٌ في لهوٍ، حتَّى يتساءلُ كثيرٌ منَّا: تُرَى ما الهدَفُ من وراءِ هذا الاهتمامِ الواسِعِ بمبارياتِ كرةِ القدمِ، وشَغْلِ النَّاسِ بها إلى هذا الحَدِّ، وإِثَارَتِهِمْ بسببها إلى هذا المَدَى، والكرمِ الحاتِمِيِّ في الإنفاقِ عليها، والتمكينِ لها، والحِرْصِ على إذاعتِها بوسائلِ الإعْلامِ المختلفة، حتَّى إنها لتطغى في أحيانٍ كَثيرةٍ على حُقوقِ أمورٍ جليلةٍ لها مكانتُها الدينيةُ أوِ الوطنيةُ أوِ الاجتماعيةُ؟؟؟