وشرب الدخان أشد من تلك الأمور نهياً، - أي البصل والكراث والثوم والبقل- لأن شرب الدخان إلى جانب الإيذاء برائحته الكريهة، ضرره محض، لذلك فالحق فيه أنه محرم،.. بينما تلك الأمور المنهي عنها، فيها فوائد عظيمة وكثيرة، وإنما نهي عن أكلها عند إدارة الصلاة بحيث تبقى ريحها، لا في كل حين. فلا مقارنة بينها وبين هذه المادة الخبيثة شماً، والضارة للبدن، والخارمة للمروءة؟! بل لا يوجد شك عند أهل الفطر السليمة، أن الرائحة المنبعثة من فم المدخن وجسمه أسوأ من رائحة البصل.. لذلك تجدك لو جلست إلى جانب أحد هؤلاء المدخنين، ما شككت في أنه قطعة من تبغ! لا تتمالك معها إلا أن تكتم أنفاسك... نسأل الله أن يهدي هؤلاء إلى ترك كل مضر بصحتهم ومؤذٍ لعباد الله.
ونهي رسول الله أن يأكل الإنسان الثوم أو البصل ثم يدخل المسجد فقال: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا - أو قال: فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته) .وفي رواية: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) متفق عليه. فيه زجر وموعظة بالغة للمؤمن من أن يقترف ما شابه هذه الروائح أو ما هو أعظم منها، ويظهر الزجر من عدة نواحي:
1.منعه من دخول المسجد، ويحصل فيه حسرة شديدة للمؤمن.
2.فوات صلاة الجماعة وكون ترك الجماعة معصية.
3.فوات أجر صلاة الجماعة الذي يعدل سبعاً وعشرين درجة عن صلاة الفرد.
وقد تكون الروائح الكريهة ليست ناجمة عن تهاون في النظافة، وإنما نتيجة عن التجمل والتزين والتأنق، فقد يستخدم بعض الناس دهون وأطياب ذات روائح نفاذة جداً، يؤذي شمها بعض من يعانون من التحسسات الأنفية أو الصدرية.
أو يحرص البعض على لبس الجوارب، الشُّرّابات، مع نسيان نظافتها، وبالتالي تنبعث منها روائح تصدع الرؤوس وتزكم الأنوف وتقزز النفوس.
ولقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته على النظافة، والعناية بالمظهر، لما في ذلك من تحقيق التحاب والتآلف، التواد بين المسلمين، فإن المظهر الحسن والريح الطيبة تحبذها النفس طبيعة. والريح الكريهة تبغضها وبالتالي تبغض صاحبها ولاشك، وعلى الرغم من شدة العيش التي كانت في عهده -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه لم يكن - صلى الله عليه وسلم- وهو المبلغ لأمته- أن يسكت عن هذه المسألة دون أن ينبه عليها، ويترك الناس يؤذي بعضهم بعضاً، ويقع التدابر والتشاحن والتباغض بينهم، فقد أخرج أبو داوود والحاكم والبيهقي عن عكرمة:"أن ناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الريح قال: (أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل مما يجد من دهنه وطيبه) قال ابن عباس: ثم جاء الله -تعالى- بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق)1."
وهذا يدلنا على التشديد والتأكيد على الاهتمام بالنظافة، وأهمية ظهور المسلم بالمظهر الجميل واللائق، و البعد عن كل ما يؤذي المسلم والحرص على أن تدوم روح الاجتماع والألفة، وإزالة الروائح الكريهة المؤذية للمصلين بل وللملائكة، الذين يحضرون أماكن العبادة والذكر، لأنه لا يمكن لأحد أن يدخل في جماعة ويتآلف معها إلا إذا قدر أفرادها، واحترم مشاعرهم، وأحب ما يحبون، وكره ما يكرهون...
ومن هنا نجد ابن عباس -وهو ترجمان القرآن يربط بين السبب والمسبب- وهو أن السبب في الأمر بالاغتسال والنظافة هي الرائحة الكريهة، فعلى هذا فكلما تكررت الرائحة الكريهة تكرر وجوب النظافة، لأن الحكم يدور مع سببه، لأن الضرر المترتب على هذه خبث الرائحة في الصلاة لا يمكن حرصه ولا التكهن به فهو يختلف باختلاف الأشخاص وطبائعهم وحالاتهم التي يكون عليها
ثم إن المسلم ما جاء إلى بيوت الله -تعالى- إلا ليتقرب إلى ربه، ولتمحى عنه ذنوبه وسيئاته.. فليتق الله أذن وليحذر مخالفة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فإن من خالف أمره يوشك أن يصاب بفتنة يجد مرارتها في قلبه وواقعه، مصداقاً لقوله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النور .
هذا والله تعالى الموفق والمعين،،،
1-قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أبو داود والطحاوي وإسناده حسن.