وفي رواية أخرى13:"فسقط من يده فأخذ رسول الله السيف، فقال للأعرابي"من يمنعك مني؟"فقال: كن خير آخذ، فقال - صلى الله عليه وسلم-:"تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟"قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى الرجل أصحابه فقال لهم: جئتكم من عند خير الناس!)"
فهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم- عفا عن الرجل في موقف حرج يدل على شجاعته.. لذا كان أفضل العفو عند المقدرة.
ثم إن الرسول لا يغفل في هذه اللحظة الحرجة عن القيام بواجب الدعوة، واستغلال الموقف لصالح الرسالة التي يحملها، فيقول للرجل:"تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟".
ثم ينادي أصحابه ليعطيهم درساً عملياً في فضائل الأخلاق لا ينسونه أبداً يتعلمون منه الشجاعة مع الحلم والعفو عند المقدرة.. ! فأين ما عليه أدعياء الحلم والعدل، مما كان عليه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع رسول الله وعليه برد نجراني -نوع من اللباس- غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم- وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!)14.
إنها أخلاق نبي الإسلام ورحمة هذا الدين! وكم في ضحكة الرسول في وجه الأعرابي الجاهل من معنى يفهمه أهل الذوق الرفيع!..
ومن أخلاق الرسول الجود والعطاء والبذل: روى الإمام مسلم عن أنس قال: ( ما سئل رسول الله على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم لا يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها) .
وهذا فيه تأليف القلوب للدخول في الإسلام.
ومعلوم كيف أنفق مغانم حنين حتى كان الرجل لينال المائة ناقة وأكثر.. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: (كان رسول الله أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان، يعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم- القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة) .
ومن أخلاقه -أيضاً-: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: وقد أمر الله رسوله بذلك فقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } سورة الشعراء: 215. وذلك أن التواضع يتألف القلوب ويملكها بالمحبة، وقد كان رسول الله-كما أدبه الله- متواضعاً، خافض الجناح، لين الجانب، إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى ولا يترفع عليهم ولا يعطي لنفسه امتيازاً إلا ما تقتضيه طبيعة القيادة من الأمر والنهي.15
وعن أنس بن مالك: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم-كان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف16 من ليف) 17 وفي رواية: ( وكان يوم قريظة والنضير على حمار ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن من ليف وتحته إكاف من ليف) 18.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله يخصف19 نعله ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته)20 وقالت: ( كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه) 21.. وقالت: قال رسول الله:"آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد"22.
وعن أنس قال: ( إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت"23."
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة"24."
هكذا كانت أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم- ! فأين المسلمون اليوم منها، وأين طغاة الأرض الذي عاثوا فيها فساداً بكبرهم وعتوهم، وظلمهم للفقراء والمساكين، وإهانتهم لكرامة الإنسان في كل مكان؟؟!!..
أسأل الله أن يصلح الأوضاع وأن يميتنا مسلمين.. وأستغفر الله العظيم،،،
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد:
إن من حق رسول الله على كل مسلم أن يتأسى به في الأخلاق، ويقتدي به في سلوكه الخاص والعام! وإلا فأين المفر من التقصير في جنب الله ! أيها المقصرون وأيها المفرطون وأيها الغافلون.. أين الهروب من عقوبة الله إذا خالفتم رسول الله في محاسن الأخلاق، وتخلقتم بسيئ الأخلاق، وتركتم معاليها.. هل يعلم الجميع أن أساس ديننا الأخلاق!.. أين الذوق الرفيع.. أين السماحة وانطلاق الوجوه يا مسلمون!.. لماذا أصبح الواحد منا اليوم قليل الأدب، دنيء الرتب، لا يقر له قرار إلا إذا عادى الناس وخاصمهم وشاتمهم؟!.