[6] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء... باب التعوّذ من شر ما عمل... حديث (2722) .
الخطبة الثانية
الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، المتفضل على خلقه بجزيل النوال. أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وهو الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى الحق، والمنقذ بإذن ربه من الضلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآلٍ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.
أما بعد:
أيها المسلمون، يذكر أهل العلم وجوهاً عدة، يتبين فيها حضور القلب، ويتحقق فيها حال الخشوع، وحقيقة التعبد.
من هذه الوجوه: الإجتهاد في تفريغ القلب للعبادة، والإنصراف عما سواها، ويقوى ذلك ويضعف بحسب قوة الإيمان بالله واليوم الآخر، والوعد والوعيد. ومنها: التفهم والتدبر لما تشتمل عليه الصلاة من قراءة وذكر ومناجاة؛ لأن حضور القلب والتخشع والسكون من غير فهم للمعاني لا يحقق المقصود.
ومنها: الإجتهاد بدفع الخواطر النفسية، والبعد عن الصوارف الشاغلة. وهذه الصوارف والشواغل عند أهل العلم نوعان: صوارف ظاهرة وهي ما يشغل السمع والبصر، وهذه تعالَج باقتراب المصلي من سترته وقبلته ونظره إلى موضع سجوده، والابتعاد عن المواقع المزخرفة والمنقوشة، والنبي لما صلى في خميصة [1] لها أعلام وخطوط نزعها وقال: (( إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي ) )متفق عليه من حديث عائشة [2] .
والنوع الثاني: صوراف باطنة من تشعب الفكر في هموم الدنيا وانشغال الذهن بأودية الحياة، ومعالجة ذلك بشدة والتفكر والتدبر لما يَقرأ ويَذكر ويُناجي. ومما يعين على حضور القلب، وصدق التخشع؛ تعظيم المولى جل وعلا في القلب، وهيبته في النفس، ولا يكون ذلك إلا بالمعرفة الحقة بالله عزَّ شأنه، ومعرفة حقارة النفس وقلة حيلتها، وحينئذٍ تتولد الاستكانة والخشوع والذل والإنابة.
أمرٌ آخر - أيها الإخوة - يحسن التنبيه إليه، وهو دال على نوع من الإنصراف والتشاغل، مع ما جاء من عظم الوعيد عليه، وخطر التهاون فيه، ذلكم هو مسابقة الإمام في الصلاة، فما جعل الإمام إلا ليؤتم به، فلا تتقدموا عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ) )متفق عليه من حديث أبي هريرة [3] . وفي رواية: (( أو صورة كلب ) ) [4] . وانظروا إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم مع نبيهم وإمامهم محمد ، يقول البراء بن عازب: كان خلف النبي فكان إذا انحط من قيامه للسجود، لا يحني أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله جبهته على الأرض ويكبر، وكان يستوي قائماً وهم لا يزالون سجوداً بعد. ورأى ابن مسعود - رضي الله عنه - رجلاً يسابق إمامه فقال له: لا وحدك صليت، ولا أنت بإمامك اقتديت.
فاتقوا الله - رحمكم الله - وأحسنوا صلاتكم، وأتموا ركوعها وسجودها، وحافظوا على أذكارها، وحسن المناجاة فيها، رزقنا الله وإياكم الفقه في الدين وحسن العمل.
[1] الخميصة: كساء مربع له علمان، انظر فتح الباري (1/576) .
[2] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الصلاة - باب إذا صلى في ثوب له أعلام... حديث (373) ، صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، حديث (556) .
[3] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الأذان - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، حديث (691) ، صحيح مسلم: كتاب الصلاة - تحريم سبق الإمام بركوع... حديث (427) .
[4] إسناده حسن، أخرجه ابن أبي شيبة: كتاب صلاة التطوع والإمامة - باب من قال: ائتم بالإمام (2/225) ، والطبراني في الكبير (9173) ، وابن حبان: كتاب الصلاة - باب ما يُكره للمصلي وما لا يُكره - ذكر الزجر عن استعمال هذا الفعل الذي ذكرناه حذر أن يحول رأسه رأس كلب، حديث (2283) . قال الهيثمي: رواه الطبراني فيالكبير بأسانيد منها إسناد رجاله ثقات. مجمع الزوائد (2/79) .