ومن الأمور الواجب معرفة الحكم فيها عند الخطبة / حرمة خطبة الرجل على خطبة أخيه المسلم إذا علم بذلك، أما إذا لم يعلم فلا حرج عليه لأن الشخص يأتي لخطبة المرأة وهو لا يعلم غالباً هل هي مخطوبة أم لا؟ وخاصة في المدن، أما في القرى والهجر فإذا خطبت المرأة فإنه ينتشر الخبر ويعلم بذلك مجتمعها الذي تعيش فيه، أما الخاطب من بعيد فلا يعلم غالباً إلا بالسؤال، لأن في إقدام الخاطب الثاني إذا علم ذلك إفساداً على الخاطب الأول وإيقاعاً للعداوة بين الناس وإيغاراً للصدور وإثارة للفتن، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك في أحاديث صحيحة منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يبيع على بيع أخيه إلا بإذنه ) ). قوله صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر ) ). ومن حديث أبي هريرة مرفوعاً: (( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ) ). فعلم من ذلك تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، فكيف بمن يتكلم في الخاطب الأول بما ليس فيه ويلصق به من العيوب ما الله به عليم ليفسد هذا الزواج ويظفر هو بتلك الزوجة ويمدح نفسه ويظهر بمظاهر زائفة لا شك أن التحريم أشد، وبهذه المناسبة فإن بعض المفسدين لأي أمر من الأمور بينهم وبين الخاطب يسعون لإلصاق التهم به والعيوب وسبّه والتكلم في عرضه، بل البهتان والافتراء عليه لكي يفسدوا ذلك الزواج لمرض في نفوسهم، فهذا للأسف منتشر في مجتمعات المسلمين، ولا يكاد يصدق أحد وجوده بين المسلمين وما ذلك إلا لضعف الإيمان والنفاق نعوذ بالله من ذلك، وقد يفسد بعضهم عند العقد أو الدخول بالمرأة أو قبل أو بعد بأشياء تباعد بين الناس.
وأما عن سعي الرجل لاختيار الزوج الصالح لموليته فلا حرج في ذلك ولا غضاضة بل هو من كمال الاختيار وحسنه، فقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على ذلك وفي الأحاديث الصحيحة، فورد في القرآن أن شعيباً _ عندما وصفت له بنته موسى عليه السلام وهي لا تعرفه من قبل، ولكنها وصفته بالقوة والأمانة، وكذلك أخبره هو عن قصته عندما سأله عن ذلك فقد عرض عليه وخيره من الزواج بإحدى ابنتيه، وعلم موسى أيضاً عليه السلام من صلاح أبيهما ومن صلاحهما وخاصة من تلك التي جاءت تمشي على استحياء، والحياء مطلوب من المرأة، وعرف أيضاً قبل ذلك ابتعاد البنتين بعيداً عن الذين يسقون وعدم اختلاطهما بالرجال وانتظارهما انتهاء أولئك الرجال لتردا الماء وتسقيا الماشية _ فعملهما ذلك كان له أثر أيضاً في نفس موسى عليه السلام إلى جانب الأسباب الدينية الأخرى، قال تعالى مخبراً عن ذلك: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَجَرْتَ الْقَوِىُّ الامِينُ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:25-27] . وقال تعالى: وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] . قال تعالى: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221] . وفي الحديث الصحيح ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يُرجع إلي شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان _أي أن عمر غضب عليه أكثر من غضبه على عثمان رضي الله عنهم جميعاً، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لقد وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً، قال عمر: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أنني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتها.