وكان من الطبيعي أن نرى تخبط الغرب ، وتقلباته وثوراته على كل شيء من حوله ، ما دام لا توجد أرضية صلبة مستوية ينطلق منها ، لتصور مقبول للحياة والإنسان والكون عامة ولا توابث قوية لهم لتكون مرتكزا يتكئون عليه نحو تقدمهم المادي ، ورقيهم الفكري والحضاري ، مما أدى إلى ظهور كثير من المتناقضات والتضاد ، وأن يهدموا اليوم بمعاول التمرد والثورة ما بنوه بالأمس ، إضافة إلى انعدام الروابط المتينة بين هذه الأفكار على اختلاف مشاربها وتباين اتجاهاتها سوى أنها تلتقي في مستنقع المادية الملحدة ، لذا نجدهم يتقلبون خلال المذاهب الفكرية والأدبية التي ووسمتهم بخاتمها ، وطبعتهم بطابعها ، ولونتهم باتجاهاتها فتولدت عندهم الكلاسيكية التي كانت امتدادا طبيعيا لنظرية المحاكاة والتقليد التي أطلقها أرسطو ، والتي تعني أن الإنسان محدود الطاقات ، متمسك بأهداب التقليد ، مع الميل إلى التحفظ واللياقة ، ومراعاة المقام ، والخيال المركزي المجند في خدمة الواقع .
تم تأسس الاتجاه الرومانسي على أنقاض الكلاسيكية التي وقفت عاجزة أمام تحقيق ما كان يصبو إليه الغرب من التخلص من آثار القديم ومحاكاته ، فوجدوا ضالتهم في مذهب توري متمرد على كل أشكال القديم وآثاره ، فقدست الرومانسية الذات ، ورفضت الواقع ، وثارت على الموروث ، وادعت أن الشرائع والعادات والتقاليد هي التي أفسدت المجتمع ، ويجب العمل على تحطيمها ، والتخلص منها ، ولكن الأمر غير المتوقع مع ما نادت به الرومانسية ، وجاهدت من أجل تحقيقه أنها قد فشلت فشلا ذريعا في تعيير الواقع ، فأوغل دعاتها في الخيال والأحلام ، والتحليق نحو المجهول .
وقد تحول الغرب كما هي طبيعته فرارا من المجهول إلى المجهول ، ومن الضلال إلى الضلال ، ومن اللاواقع إلى ما هو أبعد من اللاواقع وكان ذلك ديدنهم على مدى قرون طوال يبحثون عن لا شيء لعلهم يجدون ذواتهم الضائعة في اتجاه جديد يخلصهم من معاناتهم وضياعهم وتيه نفوسهم ، فاتجهوا نحو ما عرف بالبرناسية ، ثم فروا منها لإلى ما عرف بالواقعية التي تطورت فيما بعد إلى الرمزية التي كانت حلقة الوصل بين تلك المذاهب الفكرية والأدبية وبين ما عرف اليوم بالحداثة ، وعلاقتها بالجانب الأدبي على أقل تقدير ، وكان على رأس المذهب الرمزي الكاتب والأديب الأمريكي المشهور"إدغار آلان بو"الذي تأثر به رموز الحداثة وروادها في العرب أمثال مالاراميه ، وفاليري ، وموبسان ، كما كان المؤثر الأول والمباشر في فكر وشعر عميد الحداثيين في الغرب والشرق على حد سواء الشاعر الفرنسي المشهور"بودلير"كما ذكرنا آنفا .
وقد نادى إدغار بأن يكون الأدب كاشفا عن الجمال ، ولا علاقة له بالحق والأخلاق ، وهذا ما انعكس على حياته بشكل عام ، حيث كان موزعا بين القمار والخمر والفشل الدراسي والعلاقات الفاسدة ، ومحاولة الانتحار . وعلى خطا إدغار سار تلميذه بودلير ممعنا في الضلال ومجانبا للحق والفضيلة .
ويعد بودلير مؤسس تيار الحداثة من الناحية الفنية الأدبية ، والذي نادى بالغموض في الأحاسيس والمشاعر ، والفكر والأخلاق ، كما قام المذهب الرمزي الذي أراده على تغيير وظيفة اللغة الوضعية بإيجاد علاقات لغوية جديدة تشير إلى مواضع لم تعهدها من قبل . . . ويطمح أيضا إلى تغيير وظيفة الحواس عن طريق اللغة الشعرية ، لذا لا يستطيع القارئ ، أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الشعر الرمزي . كما يذكر د . عبد الحميد جيدة في كتابه الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ص 121 .
ومما لا جدال فيه أن الحداثة كمذهب أدبي تجديدي قامت في أساسها الأول على الغموض وتغيير اللغة ، والتخلص من الموروث بكل أشكاله ، وأجناسه ، وتجاوزهم للسائد والنمطي .
وكان بودلير الذي نمت وترعرعت على يديه بذرة الحداثة من أسوأ ما عرفت الآداب العالمية خلقا وإمعانا في الرذيلة ، وممارسة لكل ما يتنافي مع الأخلاق والعقيدة . يقول عنه مصطفى السحرتي في مقدمة ترجمة ديوان أزهار الشر لبودلير"لقد كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجا للضياع والشذوذ ، ثم بعد نيل الشهادة الثانوية قضى فترة في الحي اللاتيني ، حيث عاش عيشة فسوق وانحلال ، وهناك أصيب بداء الزهري ، وعاش في شبابه عيشة تبذل ، وعلاقات شاذة مع مومسات باريس ، ولاذ في المرحلة الأخيرة من حياته بالمخدرات والشراب".
ويقول عنه الشاعر إبراهيم ناجي مترجم ديوان أزهار الشر"لإن بودلير كان يحب تعذيب الآخرين ويتلذذ به ، وكان يعيش مصابا بمرض انفصام الشخصية".