ومما جاء في فضل الحج وأنه منفاة للذنوب، حديث ابن عمر قال: قال رسول الله: (( أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك، يكتب الله بها لك حسنة، ويمحو عنك بها سيئة وأما وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك ) )رواه الطبراني وحسنه الألباني [8] .
إن في هذه الأحاديث دعوة ونداء إلى المبادرة بالحج، وغسل النفس من ذنوبها، فإن العبد لا يعلم متى موعد رحيله من هذه الدنيا، والحج أيام معدودات، من استطاع أن يلبي فيها نداء ربه ثم لم يفعل فهو المحروم، إن الحج إلى بيت الله الحرام وأجره وفضله، يحرك الساكن، ويهيج المشاعر والقلوب التي تطمع في مغفرة علام الغيوب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان - باب الإيمان والإسلام والإحسان ، حديث (8) ، والبخاري بنحوه: كتاب الإيمان - باب سؤال جبريل النبي من الإيمان والإسلام... حديث (50) .
[2] صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء - باب يزفون: النسلان في المشيء ، حديث (3364) .
[3] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله ... حديث (121) .
[4] أخرجه البخاري: كتاب الحج - باب فضل الحج المبرور ، حديث (1521) ، ومسلم: كتاب الحج - باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ، حديث (1350) .
[5] أخرجه أحمد (1/387) ، والترمذي: كتاب الحج - باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة ، حديث (810) وقال: حسن صحيح ، والنسائي: كتاب مناسك الحج - باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة ، حديث (2630-2631) ، وأخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (8/196) وقال: إسناده حسن ، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة (1200) .
[6] أخرجه ابن ماجه: كتاب المناسك - باب فضل دعاء الحاج ، حديث (2893) ، والطبراني في الكبير (13556) ، وابن حبان: كتاب السير - باب فضل الجهاد - ذكر البيان بأن المجاهدين من وفد الله ... حديث (4613) . قال البوصيري في الزوائد (1021) : هذا إسناد حسن ، عمران مختلف فيه. وقال الهيثمي في المجمع (3/211) : رجاله ثقات. وحسّنه الألباني بمجموع طرقه . انظر السلسلة الصحيحة (1820) . فالحديث حسن أو صحيح.
[7] أخرجه الحميدي في مسنده (1090) ، وأبو نعيم في الحلية (1820) . وصحيحه الألباني ، صحيح الجامع (3046) ، السلسلة الصحيحة (598) .
[8] أخرجه عبد الرزاق: كتاب الحج - باب فضل الحج ، حديث (8830) والبزار (1/90 زوائد) والطبراني في الكبير (13566) ، وابن حبان: كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - ذكر وصف بعض السجود ... حديث (1887) . قال الهيثمي في المجمع (3/275) : ورجال البزار موثقون. وحسنه الألباني ، صحيح الجامع (1373) .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فإذا عقد المسلم نيته على الحج فعليه أن يلبس ملابس الإحرام إزاراً ورداء، فيمر بالميقات وينوي الدخول في الحج بأحد الأنساك الثلاثة:
فإن كان متمتعاً يحرم بالعمرة وحدها ويقول إذا وصل الميقات: لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج، فإذا وصل إلى مكة، طاف وسعى سعي المعمرة ثم يحلق أو يقصر، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله، وإن أخر إحرامه إلى اليوم التاسع فلا حرج عليه لكنه خلاف السنة، وينحر الهدي في اليوم العاشر.
وإن أراد الحاج (الإفراد) يقول عند الميقات: لبيك حجاً، فإذا أخرّ سعيَ الحج سعى بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل من إحرامه، بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد. والمفرد لا هدي عليه.