فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 9994

في وقت الرخاء والأمن تختلط الصفوف، ويصعب التمييز، فإذا وقعت الشدائد ونزلت الفتن اتضح الناس على حقيقتهم، كمثل المصدور عند صغاء الجو يختلط مع الأصحاء ولا ينكشف أمره إلا عند الغبرة. قال - تعالى - [ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ما يشاء] .

(تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عودًا عودًا، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتت سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكت بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، ولآخر أسود مربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه) .

الآثار السلوكية لتوحيد العبادة

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لا شريك له، قال الله - تعالى -:"وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ"الذاريات: 56 لكن الله - جل وعلا - مستغن عن الخلق كلهم، ولا حاجة له تبارك و تعالى - لعبادتهم كما جاء في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا) [1] ، وقد قال الله - تبارك وتعالى -:"لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ"الحج: 37 لكن نفع العبادة حاصل لنا أولًا وأخيرًا، ولهذا قال العلماء: إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة.

فعبادة الله - جل وعلا - هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما تخبط في أي ناحية من نواحي الحياة، وعلى أي مستوى من المستويات، وإن اختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون، وبالتالي دخوله في دهاليز الضلال والانحطاط والفساد، على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، قال الله - تعالى -:"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نًَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ"الرعد: 41 .

فأداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة هذه البشرية بأكملها.

فالعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية، أن تلغ في شهواتها، وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله - تعالى - .

فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون. فأعظم مقاصد العبادة حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في المعاصي، وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض،

فترفرف في علياء السماء، وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره.

فإذا كان مردود العبادة من التقوى والخشوع لله - عز وجل - ضعيفًا أو ميتًا، فإن الهدف الذي شرعت من أجله العبادة لم يتحقق وبالتالي: تكون العبادة وكأنها لم تؤدّ.

ولنتأمل هذه النصوص القرآنية والنبوية:"فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أََوْ إثْمًا فَأََصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"البقرة: 182".. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.."

العنكبوت: 45.

ويقول الرسول: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) 2.

فليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك: عمل القلب، من الإخبات والتذلل والخضوع بين يدي الله - عز وجل - ، وذلك روح العبادة ولبها. إن الذي يؤدي العبادة أي عبادة كانت ولم يقم في قلبه أثناء ذلك مقام العبودية لله - عز وجل - فكأنه ما أدى تلك العبادة وبمعنى آخر فقد أدى صورة العبادة لا حقيقتها.

فشرود القلب في مواطن العبادة هو من أعظم الآفات التي تعرض للإنسان في سيره لله - عز وجل - لأن العبادة بقلب شارد غافل لاه، لا تترك الأثر المطلوب على النفس الإنسانية، فلا يحصل الإنسان بها على الأجر المطلوب.

ولذلك يقول الرسول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها) [3"."

ومع استمرار الغفلة، وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد حركات ظاهرة، ليس لها أي أثر على قلب صاحبها، ومن ثم: ليس لها أي أثر على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة.

وهذا ما يفسر لنا ما نراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في المعاملة وفي الخُلُق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد، بل ربما من قارئي القرآن ومن صائمي هواجر الأيام، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم ينصرف من صلاته كما دخل فيها، وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي

الله، فاستحضر نية التقرب إلى الله - عز وجل - عند شروعه في الصلاة، وقام وفي قلبه مقام العبودية لله - عز وجل -، وشعر بالانكسار بين يدي العزيز الجبار، ثم إذا قرأ القرآن أو تلاه أو ذكر الأذكار واطأ قلبه لسانه، فإذا قال مثلًا:"اهدنا الصراط المستقيم"، فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، وهكذا حتى ينصرف من صلاته، انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر، فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه، دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره.

وانظر إلى من إذا انصرف من صلاته قال: (استغفر الله) ثلاث مرات، وقلبه يطلب العفو والمغفرة من الله على ما حصل من تقصيره في هذه العبادة، وانشغال قلبه بغير الله فيها. ولا يقتصر الأمر على الصلاة، بل إنه عام في جميع العبادات أو أغلبها، انظر إلى الصيام.. تلك العبادة العظيمة التي يقول الله - عز وجل - فيها: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) 4 . أن كثيرًا من الناس لا يشعرون بأثر للصيام على نفوسهم، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر) 5"أي: غله وحقده، فالصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله، ويورث الحرية من الرق للمشتبهات؛ لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء ولا تملكه 6 ، هل يفعل الصيام بنا هذا؟!، بل إن الله - عز وجل - قال:"يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ [لأجل ّ"لعلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183"فإذا لم يحدث الصيام للإنسان تلك التقوى، فإنه لم يحقق الغرض الذي شرعه الله من أجله، ولكن.. ما السبب في عدم إحداثه للتقوى في النفوس؟

الأسباب كثيرة، أعظمها: أن الصيام وهو عبادة من العبادات أصبح عند كثير من الناس مجرد عادة، يدخل الإنسان فيه دون أن يستحضر نية التقرب لله - عز وجل - بهذه العبادة، وفي أثناء الصوم ترى قلبه غافلًا لاهيًا عن التذكر والتفكر في هذه العبادة العظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت