للإمام ابن القيم رحمه الله كلام جميل في الفصل الذى عقده للحكم والغايات المحمودة التى كانت في وقعة أحد، ومما قاله بشأن المنافقين: ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما اظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخابئهم، وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحذروا منهم. قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء
أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الايمان من أهل النفاق _ كما ميزهم بالجنة يوم أحد _ ما كان الله ليطلعكم على الغيب الذى يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعمله، وهو سبحانه يريد تمييزا مشهودا، فيصبح معلوما وشهادة الأمر الذى كان غيبا .. وإن كان الله يجتبي من رسله من يطلعهم على ذلك (1) .
إخوة الاسلام: وكذلك ينبغي أن تكون الشدائد والمحن في كل زمان فيصلا لتمييز المؤمنين، وفضح المنافقين.
ومن الحكم الجليلة التى ذكرها ابن القيم رحمه الله لهذه الغزوة: استخراج عبودية أوليائه وجذبة في السراء والضراء، فيما يحبون ويكرهون، وفى حال ظفرهم أعدائهم بهم، فاذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون عبيده حقا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والعافية (2)
ومن هذه الحكم: (أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه وغير ذلك من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا منكم ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين%وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين(1)
ألا ما أعظم هذه الحكم، وما أحوج المسلمين إلى ذكر هذه العبر، وقد وردت روايات تفيد الصلاة على شهداء أحد، لكنها لا تقوى على معارضة أحاديث نفي الصلاة عليهم، فكلها متكلم فيها، وقد دفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وحمل بعض الشهداء أهلوهم ليدفنوهم في المدينة فأمرهم الرسول صلى الله علية وسلم بدفنهم في أماكن استشهادهم بأحد.
ولما انتهى من دفن الشهداء صفّ أصحابه، وأثنى على ربه فقال: (( اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادى لما أضللت، ولا مضل لمن مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني اسألك النعيم المقيم الذى لا يحول ولا يزول، اللهم إني اسألك النعيم يوم العلية(أي الفاقة) ، والأمن يوم الخوف اللهم أعوذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتو الكتاب، إله الحق ))ثم ركب فرسه ورجع الى المدينة.
(1) آل عمران/179.
(2) زادة المعاد 3/219،220.
(1) آل عمران/139_141. ... ... ...