وهكذا جميع الرسل من عهد آدم إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كانوا عبادًا لله مخلصين. شرع الله لكل منهم عبادة وشرعة تناسب زمانه ومكانه وقومه؛ كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة
فكانت العبادة هي الزاد العظيم للأنبياء والمرسلين في حياتهم قاطبة وما يواجهون به أعداءهم وأزماتهم، وقد حققوها وقاموا بها أتم قيام، ودعوا قومهم إليها، وأدوا الأمانة فيها فآمن من قومهم من آمن وكفر منهم من كفر.. وهكذا الحال في خاتم الأنبياء -عليهم السلام- محمد بن عبد الله -صلوات الله عليه وسلامه- فإنه كان أعظمهم تحقيقًا للعبادة، وحياته وسيرته في بطون الكتب تبين لنا الغاية العظمى التي وصل إليها صلى الله عليه وسلم في تحقيق عبادة ربه سبحانه، ويكفينا من ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم، أو تنتفخ قدماه ويقول: (أفلا أكون عبدا شكورا) . صحيح البخاري 1062
اتصاف الملائكة بالعبادة:
والملائكة خلق من خلق الله الكبير المتعال -سبحانه-. وقد خلقهم الله من نور، كما أنه خلق الجن من نار، والإنس من طين.. ، وهم عباد الله المقربون الذين يسبحون له الليل والنهار لا يسأمون من تلك العبادة؛ لأنهم ركبوا وخلقوا على تلك الغاية، ولم تخلق فيهم شهوة، ولا تعرض لهم شبهة، فعبادتهم متواصلة لا يعصون الله -عز وجل- ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فهم قيام بما وكلوا به من المهام والوظائف ؛ منهم الموكل بنفخ الأرواح ، ومنهم الموكل بقبضها وهو ملك الموت، ومنهم الموكل بكتابة أعمال العباد {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ومنهم الموكل بحفظ الإنسان من بين يديه ومن خلفه {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} وقد قال علماء التفسير:هم الملائكة ، ومنهم الموكل بإنزال الوحي على الأنبياء وهو جبريل الروح الأمين عليه جميع الملائكة السلام .. وهكذا فكل ملك من الملائكة الكرام الطيبين له وظيفة هي عبادته وقربته التي يتقرب بها إلى الله -تعالى- وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن العظيم بأنهم { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (19-20) سورة الأنبياء . وقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ*} (206) سورة الأعراف ). وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ* } سورة الأنبياء. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} . وقال -سبحانه-: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ*} . وغيرها من الآيات
أما الأحاديث النبوية ، صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدًا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ، ولبكيتم كثيرًا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ) 2, وغيره من الأحاديث التي تصف لنا عبادة الملائكة لله عز وجل ، وتحقيقهم لها كما أراد الله تعالى منهم، كل بحسب قربته وطاعته - عليهم سلام الله-.
الجن والعبادة:
الجن خلق من خلق الله -تعالى- وهم أيضًا عالم آخر غير عالمنا لا نراه، ولهم خصوصياتهم وسلوكياتهم ، وهناك شبه كبير بين عالمهم و عالم الإنس، مع أن هيئتهم وصفة خلقتهم تختلف تمامًا عن بني آدم، وهم عالم خفي لا نراه كما قال -تعالى-: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (27) سورة الأعراف, فقد منحهم الله القدرة على التشكل بصور وأشكال مختلفة, في صورة حيوانات ، أو حتى في صورة الإنس..
ولولا حفظ الله -تعالى- للإنسان وحراسته بالملائكة كما قال: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} (11) سورة الرعد، لسعت المشياطين في إكمال تخطفها لنا في كل طريق وفي كل شارع وسهل وجبل، لكن من تمام حكمة الله ورحمته وعدله أن جعل في مخلوقاته موازنة عجيبة ! فإذا كان الجن يروننا ولا نراهم، وذلك أقرب إلى الإيقاع والإضرار بنا؛ فإن الله جعل للعبد حفظا كلاء يحفظه ويكلؤه به من ملائكة وأوراد وأذكار وآيات ونحوها ...
والجن مأمورون بالعبادة كذلك كما أمر بها الإنس، و مأمورون بتحقيقهاكما حققتها الملائكة -عليهم السلام- قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات , وقد وردت آيات وأحاديث تبين استجابة رجال من الجن لدعوات الأنبياء، منهم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كما قال تعالى: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } (الأحقاف: 30) : أي القرآن وكانوا مؤمنين بموسى قال عطاء كانوا يهودا فأسلموا ولذلك قالوا أنزل من بعد موسى وعن ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى فلذلك قالت:"أنزل من بعد موسى"3 وقال في الآية قبلها عن محمد صلى الله عليه وسلم: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} (الأحقاف: 29) وهم في استجابتهم هذه فرق وأشتات حالهم كحال الإنس , منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ،كما قالوا هم عن أنفسهم {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } (لجن: 11) قال القرطبي:"أي قال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون وقيل: ومنا دون ذلك أي: ومن دون الصالحين في الصلاح وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا أي فرقا شتى قاله السدي . الضحاك: أديانا مختلفة . قتادة: أهواء متباينة ومنه قول الشاعر"
القابض الباسط الهادي بطاعته في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد