وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يعلمه ما يصلح لمثله، إذا كان يتعلم عليه الصغير والكبير، والحدث، والغني والفقير، فينبغي له أن يوفي كل ذي حق حقه، ويعتقد الإنصاف إن كان يريد الله بتلقينه القرآن، فلا ينبغي له أن يقرب الغني، ويبعد الفقير، ولا ينبغي له أن يرفق بالغني ويخرق بالفقير، فإن فعل هذا فقد جار في فعله، فحكمه أن يعدل بينهما، ثم ينبغي له أن يحذر على نفسه التواضع للغني، والتكبر على الفقير، بل يكون متواضعًا للفقير، مقربًا لمجلسه متعطفًا عليه، يتحبب إلى الله بذلك.
جاء في سبب نزول قوله تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) 9. عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب، وبلال وعمار وخباب قاعدًا في أناس ضعفاء من المؤمنين، فقالوا: إنا نريد منك مجلسًا تعرف لنا به العرب، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فنحِّهم عنا، (أو كما قالا) ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، فقال: نعم، فقالا: فاكتب لنا عليك كتابًا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليًا؛ ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل فقال: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم....) الآية.
قال محمد بن الحسين: وأحب له إذا جاءه من يريد أن يقرأ عليه من صغير أو كبير، أن يعتبر كل واحد منهم - قبل أن يلقنه من سورة البقرة - يعتبره بأنه يعرف ما معه من الحمد إلى مقدار: ربع، وسبع، أو أكثر مما يؤدي به إلى صلاته، ويصح أن يؤم به في الصلوات، إذا احتيج إليه، فإن كان يحسنه، وكان تعلَّمه في الكتاب أصلح من لسانه وقوَّمه، حتى يصلح أن يؤدي به الفرائض، ثم يبتدي ويلقنه من سورة البقر10 ويستحب كذلك لمن يلقن إذا قرئ عليه أن يحسن الاستماع إلى من يقرأ عليه، ولا يشتغل عنه بحديث ولا غيره، فالأحرى أن ينتفع به من يقرأ عليه، وكذلك ينتفع هو أيضًا، ويتدبر ما يسمع من غيره، وربما كان سماعه للقرآن من غيره فيه زيادة منفعة وأجرٌ عظيم، ويتأول قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) 11 أن لا يدرس عليه وقت الدرس إلا واحد، ولا يكون ثانيًا معه، فهو أنفع للجميع، وأما التلقين فلا باس أن يلقن الجماعة.
وينبغي لمن قرأ عليه فأخطأ، أو غلط أن لا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، فإنه لا يؤمن أن ينفر عنه، فلا يعود.
(وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحدٍ من الناس، لا إلى الخليفة فما دون ذلك، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه، قاله الفضيل بن عياض - رحمه الله - ) 12
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة13.
فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدًا، وشفيعًا، وأنيسًا، وحرزًا، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه، ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده بكل خير في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.
1 -البقرة: (121) .
2 -أخرجه مسلم، رقم 244، (1/549) .
3 -الحلية 8/355.
4 -المقصود بالحسد هنا: تمني بلوغ الخير الذي مع الغير، لا تمني زواله؛ كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ، رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له.-
5 - (أخلاق حملة القرآن) أبي بكر أحمد بن الحسين الأجري - م سنة 360. ط1، 1408هـ - 1987م - مكتبة الدار بالمدينة المنورة - تحقيق عبد العزيز القارئ ص28.
6 -رواه أحمد 1/257، 58 ، 91 - وأبو داود (1/335) والترمذي (4/246) ، وهو في السلسلة الصحيحة للألباني (1173) .
7 -مصنف بن أبي شيبة (6/164) .
8 -أخلاق أهل القرآن - أبي بكر الأجري صـ111، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - ط1، 1406هـ - 1986م.
9 -الأنعام (152) .
10 -أخلاق أهل القرآن 117.
11 التوبة 204.
12 -أخلاق أهل القرآن 125.
13 -رواه أحمد (2/338) وأبو داود (2/289) وابن ماجه وغيرهم ,صححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (227) .