وما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم, حتى أيقنت قلوبهم, وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته, وما رأى العارفون شيئاً من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية.
وعن محمد بن واسع أن رجلاً من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبى ذر, فسألها عن عبادة أبى ذر فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر. وعن الحسن قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وعن الفضيل قال: الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك, وقيل لإبراهيم ابن أدهم إنك تطيل الفكرة, فقال: الفكرة مخ العقل, وكان سفيان بن عيينة كثيراً ما يتمثل بقول القائل:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة
وقال الحسن: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو, ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو, ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو. وقال الحسن في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (146) سورة الأعراف. أي: أمنع قلوبهم التفكر في أمري.
فأعطوا أعينكم -عباد الله- حظها من العبادة وذلك بالنظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه.
(قلوب العارفين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرون) 5
وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول: يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك! فلو جلست مع الناس كان آنس لك, فيقول لقمان: إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة. وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم, وما علم امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة. قال عبد الله بن المبارك يوماً لسهل بن علي -ورآه ساكتا متفكراً-: أين بلغت؟ قال: الصراط.
وقال بِشْر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل. وعن ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب..
وبينا أبو شريح يمشى إذ جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكي فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تفكرت في ذهاب عمري, وقلة عملي, واقتراب أجلي.
وقال أبو سليمان: عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر. وقال: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية, والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب, وقال حاتم: من العبرة يزيد العلم، ومن الذكر يزيد يزيد الحب، ومن التفكر يزيد الخوف.
وقال ابن عباس: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به, والندم على الشر يدعو إلى تركه.
وقال الحسن: إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة.
وقال إسحاق بن خلف: كان داود الطائي -رحمه الله تعالى- على سطح في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي حتى وقع في دار جار له, قال: فوثب صاحب الدار من فراشه عرياناً وبيده سيف وظن أنه لص, فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف, وقال: من ذا الذي طرحك من السطح, قال: ما شعرت بذلك!!.
وقال الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد, والتنسم بنسيم المعرفة, والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد, والنظر بحسن الظن لله -عز وجل -, ثم قال: يا لها من مجالس ما أجلها! ومن شراب ما ألذه! طوبى لمن رزقه. وقال الشافعي -رحمه الله-: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر6.
بيان حقيقة الفكر وفائدته:
التفكر هو: تصرف القلب وتجوله في معاني الأشياء لدرك المطلوب, وهو سراج القلب يرى به خيره وشره.
وأما فائدة الفكر -عباد الله- فهي ما يحصل للمتفكر من معرفة بعض ما أودع الله في هذا الكون من الآيات العظيمة وبدايةً من هذا الإنسان, قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الداريات. وما يحصل للمتفكر من زيادة في الإيمان والأعمال الصالحة.
أيها الإخوة المؤمنون -عباد الله-: فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها, وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر, وأنه خير من الذكر والتذكر؛ لأن الفكر ذكر وزيادة, وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر.
فإذن: التفكر من أفضل الأعمال القلبية, ولذلك قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: (تفكر ساعة خير من عبادة سنة) .
نسأل الله أن يغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن ينصرنا على القوم الكافرين..
الخطبة الثانية:
نسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله, وأن يعلمنا من البيان ما يقصر عنه مزية الفضل وأصله, وحكمة الخطاب وفضله, ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا محمد رسوله, وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار...
إني رأيت عواقب الدنيا ... *** ... فتركت ما أهوى لما أخشى
فكرت في الدنيا وعالمها ... *** ... فإذا جميع أمورها تفنى