فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 9994

أيها المؤمنون إنه مع هذه النصوص الكثيرة التي تنهى عن التشبه بالكفار إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن مشابهتهم ومتابعتهم ستقع في الأمة فعن أبي سعيد مرفوعاً: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) ) (1) . وهاهي الأمة اليوم تحاكي أمم الكفر شرقية وغربية في الزي واللباس وتتشبه بهم في آداب الأكل والشرب وأساليب المعاشرة والمخالطة وطرائق الكلام والمعاملة وغير ذلك بل وتتلقى عنهم الأفكار والآراء حتى صاغ فئات غير قليلة من الأمة حياتهم وأفكارهم وأساليبهم على نهج الحياة الغربية والفكر الغربي والأسباب التي دعت هذه الفئام إلى التشبه بالكفار وتقليدهم عديدة. إلا أن من أبرزها الغفلة عن سبب العزة والسعادة الحقيقية فإن كثيراً ممن تشبه بالكفار ظن أن سبب عزة هؤلاء وارتفاعهم هو أخلاقهم وما هم عليه من نبذ الدين وعدم الاهتمام به، وقد غفل هؤلاء عن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله: ?وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? (2) .

ومما زادني شرفاً وتيهاً ... ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي ... ... وأن صيرت أحمد لي نبيا

الخطبة الثانية

أيها المؤمنون إن من الأسباب الرئيسة التي جعلت كثيراً من المسلمين يتشبه بالكفار من اليهود والنصارى الاختلاط بالكفار والانفتاح عليهم وذلك أن هذه العصور شهدت ثورة كبرى في الاتصالات والنقل فقربت المسافات واتصلت الجهات حتى غدا العالم كما يقال قريةً واحدةً، فلما وقع ذلك كثر الاحتكاك بهم والتعامل معهم فأدى ذلك إلى ظهور معالم التشبه والتبعية والتقليد لأمم الكفر في حياة المسلمين وواقعهم فرأينا بعض إخواننا هداهم الله من جعل الغرب وما فيه قدوة له في اللباس والزي وفي الأكل والشرب وفي تصفيف الشعر وقصه بل وتمادى بعضهم حتى قلدوهم في الفكر والرأي فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولا حلَّ لهذه المشكلة إلا بالتقليل من خلطة هؤلاء ووجودهم بين المسلمين فلا يجوز لأحد أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا عند الحاجة ويجب أن يكون المسافر عنده من العلم والإيمان والصبر واليقين ما يدفع به شبهاتهم ويتقي به ما في بلادهم من فتن وشهوات تهتز لها الجبال الرواسي. كما أنه يجب علينا جميعاً أن نتعاون على عدم استقدام الكفار إلا عند عدم وجود من يقومون بما يقومون به من أعمال وذلك أن تكاثرهم بين ظهرانينا في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا ومكاتبنا له تأثير بالغ في بث أخلاقهم وإشاعة أفكارهم.

(1) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة برقم 7320.

(2) آل عمران: 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت