فهرس الكتاب

الصفحة 2295 من 9994

وكتب علامة الجزيرة العربية الأستاذ المؤرخ (حمد الجاسر) بحثاً بعنوان «الآثار الإسلامية في مكة المشرَّفة» (5) ، وبيَّن اختلاف المؤرِّخين وتعدد أقوالهم في تحديد موطن مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وساق الأستاذ الجاسر مقالة الرحالة (العياشي، ت 1037هـ) ـ في هذا العدد ـ: «والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك بعد مجيء الإسلام؛ فقد عُلِم من حال الصحابة وتابعيهم ضعفُ اعتنائهم بالتقيد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي؛ لصرفهم اعتنائهم ـ رضي الله عنهم ـ لما هو أهم من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسّنان واللسان، وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من الآثار الواقعة في الإسلام، فما بالك بما وقع في الجاهلية؟!» .

وحكى (الجاسر) أن قبر أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها ـ كان مجهولاً لدى مؤرخي مكة حتى القرن الثامن الهجري، ثم أصبح معروفاً محدد المكان في القرون المتأخرة حتى ذلك اليوم، بعد أن رأى أحد العارفين في النوم! كأن نوراً ينبعث من مقبرة (المعلاَّة) ، ولما علم أمير مكة آنذاك بخبر تلك الرؤيا أمر ببناء قُبَّة فوق المكان الذي رأى ذلك العارف أن النور ينبعث منه، جازماً ذلك الأمير أن ذلك المكان هو قبر خديجة! وهكذا تُصيّر الخرافات إلى حقائق بيّنات. والله المستعان.

ـ الولع بالآثار المكانية و «الهيام» بالموالد والمشاهد، أضحى ذلك كله سبيلاً إلى التفلت من الشرائع، والتنصل من سنن المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، واتباع الهوى، وصَدَقَ الله ـ تعالى ـ القائل: {فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50] ، فترى القوم عاكفين على موالد محدثة، متعبدين عند آثار مبتدعة، قد عمروا المشاهد وهجروا المساجد... فإن في النفوس ميلاً إلى الانحلال من الاتباع.

وكما قال (أبو الوفاء ابن عقيل) : «لمّا صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وأَخْذِ التراب تبركاً...» (6) .

وقال شيخ الإسلام (ابن تيميّة) : «إن النفوس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ـ رحمه الله ـ: «ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه» ، ثم هذه مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً» (7) .

وأخيراً فإن إظهار السنن وتبليغ رسالات الله كفيل بدحض شبهات دعاة الآثار على الاطلاق.

كما أن إظهار الأبحاث التاريخية الجادة التي تكشف عوار هذه الدعاوى العريضة من أرباب الآثار، والسعي إلى تحرير العقول من رقِّ التقليد والعواطف الساذجة، والاحتساب على هذه الدعاوى وفق القدرة والمصالح الشرعية. كفيل بإذن الله بايضاح الحقيقة التي هي رائد الجميع.

والله حسبنا ونعم الوكيل.

(u) أستاذ مساعد في قسم (العقيدة والمذاهب المعاصرة) في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.

(1) انظر: صحيفة الإندبندت البريطانية للكاتب دانيال هودن 1/9/2005م.

(2) هدم الأوثان والأبنية على القبور ونحوها من شعائر الشرك هو سبيل المؤمنين تأسياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ألاَّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» أخرجه مسلم.

(3) الأنصاب: الأصنام. (4) أخرجه البخاري، ح (4920) .

(5) انظر: تفسير الطبري (29/98) .

(1) أخرجه سعيد بن منصور في سننه، وعبد الرزاق في مصنفه.

(2) مجموع الفتاوى (17/466) .

(3) اقتضاء الصراط المستقيم (1/477) .

(4) الآثار النبوية، ص 78.

(5) انظر: مجلة العرب، السنة السابعة عشر، الجزء الثالث والرابع.

(6) تلبيس إبليس، ص 455.

(7) اقتضاء الصراط المستقيم (2/612) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت