وقد اتفق العلماءُ على أن الحكم لله وحده-سبحانه وتعالى-، فهو المتفرد بالخلق فينبغي أن يكون متفردًا بالأمر. فلا أحد يستحقُّ أن ينفذ حكمُهُ على الخلق إلا من كان له الخلق والأمر - سبحانه وتعالى-، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الله الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما غيره- سبحانه-، فلا يجب شيء بإيجابه، بل بإيجاب الله- تعالى- طاعتهم11.وقد تواردت النصوص الشرعية تؤيد هذا المنطق السليم وتؤكده، فهي تُلْزِم البشر باتباع ما جاء من عند الله- تعالى-، وتحرِّم عليهم تحريما قاطعًا اتباع ما يخالفه قال-تعالى-: {اتَّبِعْ َا أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ} 12وقال-تعالى-: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} 13.. والآيات في ذلكَ كثيرةٌ تفوق الحصر.. توجب الحكم بما أنزل الله، وتحكم بالكفر والفسق والظلم على كل من يخالف حكم الله-تعالى-.
ولذلك كان كل من أطاع مخلوقًا في تحريم الحلال أو تحليل الحرام-وهو متبع له في هذا التبديل-فهو مشركٌ شرك الطاعة والانقياد والاتباع14، وقد حكم اللهُ على اليهود والنَّصارى بالشرك لاتباعهم الأحبار والرهبان واتخاذهم أربابًا من دُون الله، ثم بيَّن النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-ذلك بيانًا واضحًا ببيان ماهية العبادة التي وقعُوا فيها.15، وهذا النَّوعُ من الشرك يعمُّ اليوم أصقاعًا وبقاعًا كثيرةً في بلدان العالم، بعد تنحية الشريعةِ الإسلاميةِ عن الحكم في شؤون الحياة كبيرها وصغيرها،وحصرها في جوانب ضيقة، واستبدلوا بها القوانين الوضعية التي ارتضاها الناس لأنفسهم بمعزل عن دين الله تعالى وشرعه. ولذلك كان من الواجب العناية بهذا اللون من الشرك وبيان خطورته،وإن كان ذلك سيُؤدِّي إلى تكاليف باهظة يحتسبها المسلم عند الله-تعالى-. وأما شرك المحبة والنصرة والولاء فيكون عندما يتوجه الإنسان بالمحبة لغير الله-تعالى-، إذْ من مقتضيات التوحيد وأصول العبادة أن نفرد الله-تعالى- بالمحبة التي لا تصلح إلا له وهي حب طاعته والانقياد لأمره،وإلا وقع الشرك الذي جاء التحذير منه،عندما تكون المحبة لأعداء الله،عند موالاة الكافرين ونصرتهم، لأن في ذلك نقضًا للميثاق ولكلمة التوحيد، وخروجًا على مقتضيات الإيمان: {لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 16، {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} 17 .
وأمَّا تعريفُ الشِّركِ الأصغرِ، فهو ما أتى في النصوص الشرعية أنه شرك،ولم يصل إلى حدِّ الشرك الأكبر. ومن أمثلة هذا الشرك: التطير؛ وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها.
ومن الشرك الأصغر: شرك الألفاظ كالحلف بغير الله،وقول أحدهم: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان... إلخ.. ومن الشرك الأصغر:يسير الرياء؛ لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (إن يسير الرياء شرك) 18.
وفي ختام هذا الدرس ندعو بما ورد عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في قوله:? (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم) 19.
1-هذا الدرس مستفاد من مجلة البيان العدد 69 ص 8.
2-معجم مقاييس اللغة: 3 / 265، لسان العرب: 10/449 - 450.
3-مدا رج السالكين: (1/ 339) .
4-أخرجه البخاري كتاب تفسير القرآن باب قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون برقم (4117) ومسلم كتاب الإيمان باب كون الشرك أقبح الذنوب برقم (124) .
5-الدرر السنية: (2/153) .
6 -القول السديد: (43) .
7-أخرجه البخاري كتاب التفسير باب (ودًا ولا يغوث ويعوق) برقم (4920) .
8-فتح الباري (8/536) .
9-الاستقامة: 1/344.
10-الجاثية: 23.
11-المستصفى لغزالي: 1/ 83، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 1/ 76، مسلم الثبوت: 1 / 52، وشرح الكوكب المنير: 1/ 484، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: 1/157- 158.
12-الأنعام: 106.
13-الأعراف: 3.
14-انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية: 1/97، 98، 14/ 328، 7/70 وتيسير العزيز الحميد (543) .
15-انظر: تفسير الطبري 4 1/210-211، والبغوي: 4/ 39، تفسير ابن كثير: 3/122-123 مفاهيم ينبغي أن تصحح، للأستاذ/ محمد قطب، فصل (مفهوم لا إله إلا الله) .
16-آل عمران: 28.
17-المائدة: 51.
18-أخرجه ابن ماجه كتاب الفتن باب من ترجى له السلامة من الفتن برقم (3979) .
19-أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (18781) .