فعليك أيها العاقل بالعمل في هذه الدار التي هي دار عمل لا دار قعود وكسل، وامش ساعيا في مناكب الأرض وكل مما رزقك ربك، وأحسن إلى عباد الله كما أحسن إليك، ولا تبغ بنعمة الله الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين، قال عز وجل: فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور [ الملك: 15] ، وقال: ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين [ القصص: 77] .
وأعلم أن الآخرة دار جزاء للعالمين، ولا يغرّنّك المغرورون فتترك طاعة ربك وتطيعهم، فإن من يبخل ويشحّ ولا تسمح له نفسه أن يدفع إليك اليوم درهما كيف يمنحك غدا جنّة واسعة الأطراف والمدى؟ فالجنة خلقها الله للعاملين الذين يقول لهم: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، وأعد لهم عنده م لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرأوا إن شئتم، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ، فالأعمال الحسنة جعلها الله سببا في تطهير النفوس وتزكيتها، والأعمال السيئة بضدّ ذلك: وما تعمل في هذه الدار تجده هنالك، فطهّر نفسك وزكّها بالأعمال الصالحة، قال الله عز وجل: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها أي نجا من الناس وفاز بالجنة من زكى نفسه وطهرها من الشرك والمعاصي، وكمّلها وصفّاها بالإيمان والأعمال الصالحة، وقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة من دسّاها أي دسّ نفسه ونقصها وأخفاها في ظلمات الشرك ودياجير الكفر والمعاصي، فإن الأعمال الصالحة تكميل للنفس، وتزكية لها، وضدّها نقصان وإخفاء لها، جعلني الله وإياكم ممّن أنار الإيمان مشكاة قلوبهم، وألان اليقين من لبّهم، فالتذوا بالطاعة، وعملوا بقدر الاستطاعة