وقد روى البيهقي في (شعب الإيمان) أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إن المستهزئين بالناس لَيُفْتَحُ لأحدهم باب الجنة فيقال: هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أُغلق دونه"شعب الإيمان للبيهقي، 5/310، رقم: 6757، عن الحسن مرسلًا. ويُخشى على المستهزئ أن تعود عليه تلك الخصلة التي يسخر من غيره فيها فيتصف بها ويبتلى بفعلها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تُظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك"رواه الترمذي، ح/ 2430 وقال: حديث حسن. ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السخرية بالمسلمين فقال:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بِحَسْبِ امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه"رواه مسلم، ح 4650.
ألا يروِّع أخاه:
فقد أورد أبو داود في سننه عن ابن أبي ليلى قال:"حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا"رواه أبو داود، ح/ 1534. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا"رواه أبو داود، ح 4350.
عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة:
ينبغي ألاَّ يداوَم على المزاح؛ لأن الجد سمات المؤمنين، وما المزاح إلا رخصة وفسحة لاستمرار النفس في أداء واجبها. فبعض الناس لا يفرق بين وقت الجد واللعب. وبذلك نبه الغزالي ـ رحمه الله ـ بقوله:"من الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة"إحياء علوم الدين، للغزالي 3/129 .
أن يُنْزِل الناس منازلهم:
إن العالم والكبير لهم من المهابة والوقار منزلة خاصة، ولأن المزاح قد يفضي إلى سوء الأدب معهما غالبًا فينبغي الابتعاد عن المزاح معهما خشية الإخلال بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول:"إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم"رواه أبو داود، ح 4203. ونقل طاووس عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:"من السنة أن يوقَّر العالِم". وكذلك من آداب الإسلام ألاَّ يمزح مع الغريب الذي لا يعرف طبيعة نفس المازح؛ فهذا يؤدي إلى استحقار المازح والاستخفاف به؛ فهذا عمر بن عبد العزيز يرسل إلى عدي بن أرطأة فيقول:"اتقوا المزاح؛ فإنه يُذْهِبُ المروءة".
ألا يكون مع السفهاء:
قال سعد بن أبي وقاص لابنه:"اقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرِّئ عليك السفهاء".
ألا يكون فيه غيبة:
الغيبة وحليفتها النميمة كلتاهما تصبان في مستنقع الفتنة، ولا يخلو مَنْ كَثُرَ مزاحه من هذه الآفة العظيمة؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه، فهو لا يشعر أنه وقع في الإثم أصلًا؛ لأنه ـ في زعمه ـ إنما يقول في فلان مازحًا غير قاصد ذلك. ولم يعِ تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للغيبة بقوله:"ذكرك أخاك بما يكره"رواه مسلم، ح 4690. وقد أورد الترمذي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك: فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا"رواه الترمذي، ح/ 2331. والغيبة أنواع، سواء كانت في البدن أو الخلق وغيرها.
هذا ونسأل الله أن يؤدبنا بآداب الإسلام، وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.