فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 9994

ومن أخلاقه -أيضًا-: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: وقد أمر الله رسوله بذلك فقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } سورة الشعراء: 215. وذلك أن التواضع يتألف القلوب ويملكها بالمحبة، وقد كان رسول الله-كما أدبه الله- متواضعًا، خافض الجناح، لين الجانب، إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى ولا يترفع عليهم ولا يعطي لنفسه امتيازًا إلا ما تقتضيه طبيعة القيادة من الأمر والنهي.15

وعن أنس بن مالك: ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم-كان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف16 من ليف) 17 وفي رواية: ( وكان يوم قريظة والنضير على حمار ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن من ليف وتحته إكاف من ليف) 18.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله يخصف19 نعله ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته)20 وقالت: ( كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه) 21.. وقالت: قال رسول الله:"آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد"22.

وعن أنس قال: ( إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت"23."

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة"24."

هكذا كانت أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم- ! فأين المسلمون اليوم منها، وأين طغاة الأرض الذي عاثوا فيها فسادًا بكبرهم وعتوهم، وظلمهم للفقراء والمساكين، وإهانتهم لكرامة الإنسان في كل مكان؟؟!!..

أسأل الله أن يصلح الأوضاع وأن يميتنا مسلمين.. وأستغفر الله العظيم،،،

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد:

إن من حق رسول الله على كل مسلم أن يتأسى به في الأخلاق، ويقتدي به في سلوكه الخاص والعام! وإلا فأين المفر من التقصير في جنب الله ! أيها المقصرون وأيها المفرطون وأيها الغافلون.. أين الهروب من عقوبة الله إذا خالفتم رسول الله في محاسن الأخلاق، وتخلقتم بسيئ الأخلاق، وتركتم معاليها.. هل يعلم الجميع أن أساس ديننا الأخلاق!.. أين الذوق الرفيع.. أين السماحة وانطلاق الوجوه يا مسلمون!.. لماذا أصبح الواحد منا اليوم قليل الأدب، دنيء الرتب، لا يقر له قرار إلا إذا عادى الناس وخاصمهم وشاتمهم؟!.

ألا وإن من أخلاق الرسول: كف الأذى وترك الشتم والسب وحفظ اللسان عن السوء امتثالًا لقول الله: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق: 18.

ثبت أن الرسول كان جالسًا فجاء يهود فقالوا: السام عليكم -أي الموت عليكم- فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة! فقال رسول الله: ( يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ولكن قولي:"وعليكم") 25 وقد قال رسول الله:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"26 وعن أنس قال: (لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا، كان يقول عند المعتبة:"ماله ! ترب جبينه") 27.

ومن أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم- الحياء من فعل الشر، والحياء مما يقبح فعله أو يكره، حيث أن الحياء خصلة عفيفة تمنع من صدور القبيح أو الرضا به في غير تقحم قال عليه الصلاة والسلام:"الحياء لا يأتي إلا بخير"28.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم- على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله:"دعه فإن الحياء من الإيمان"29. وعن أبي سعيد الخدري قال: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أشد حياءً من العذراء في خدرها) 30 .

والحياء لا يكون في تعلم العلم أو الاستفسار عما أشكل على الإنسان أو في قول الحق بحيث يمنعه من طلب العلم أ قول الحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. بل الحياء في هذا المواضع مذموم إذا كان بتلك المثابة.

ومن حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم المزاح المتزن والانبساط مع الناس.. فعن أنس بن مالك قال: إن كان النبي ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير:"يا أبا عمير ما فعل النغير"31 والنغير: طائر صغير.

وقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالسوق فرأى رجلًا من أصحابه فمسكه من خلفه وقال:"من يشتري هذا العبد"-على وجه المزاح- فقال يا رسول الله: إذن تجدني كاسدًا ! -أي رخيصًا- قال:"لكنك عند الله لست بكاسد"أو قال:"لكن عند الله أنت غالٍ"32.

ومن أخلاق الرسول الكريم: إكرام الضيف والجار والإحسان إليهما، وهو القائل:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"33 .

ومن أخلاقه: احترام الكبير ورحمة الصغير: دخل أعرابي والرسول - صلى الله عليه وسلم- يقبل الحسن والحسين فقال: تقبلون صبيانكم! فقال رسول الله:"أو أملك أن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك"34 ؛ وقال:"من لا يرحم لا يرحم"35 وقال رسول الله:"إنما يرحم الله من عباده الرحماء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"36.

وهكذا أيها المسلمون: كانت أخلاق الرسول في جميع شؤونه، وهي كثيرة جدًا على لتي ذكر الله عنه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ( القلم: 4) وما ذكرناه إنما هو قليل من كثير.. وواجبنا تجاه ذلك: الإقتداء به والتأسي به في الأخلاق والأعمال اتباعًا لقوله -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } سورة الأحزاب: 21.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.. اللهم حسن أخلاقنا وأعمالنا يا رب العالمين.. اللهم أدبنا جميعًا بآداب نبيك، وأعنا على ذلك.. يا رب العالمين....

1-هكذا رواه الإمام أحمد، وورد بلفظ: ( مكارم الأخلاق ) وصححه الألباني.. ورواه الإمام مالك بلفظ: ( حُسْنَ الأخلاق ) .

2-رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.

3-رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي. وقال الترمذي: حسن صحيح.

4-رواه أبو داود في سننه، وهو حديث حسن كما ذكر الألباني في صحيح أبي داود برقم ( 4015 ) .

5-رواه البخاري ومسلم.

6-رواه الإمام أحمد وأبو داود، ولفظ أبي داود: ( إن المؤمن ليدرك..) والحديث صحيح كما ذكر الألباني في صحيح أبي داود برقم ( 4013 ) .

7-رواه الترمذي بهذا اللفظ. ورواه الإمام أحمد وأبو داود من غير زيادة: ( وإن الله ليبغض الفاحش البذيء ) .

8-رواه مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث طويل برقم ( 1290 ) وهو حديث جليل فيه دعاء شريف أرجو ممن يطلع على هذا الحديث العمل به وتدبر معانيه.. ورواه أيضًا الترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي.

9-رواه الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية، والحديث صحيح كما ذكر الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1378) .

10 -رواه مسلم والترمذي وأبو داود.

11-رواه البخاري ومسلم.

12-رواه البخاري ومسلم وأحمد.

13-عند الإمام أحمد.

14-رواه البخاري وأحمد.

15 -الأخلاق الإسلامية - للميداني.

16-الإكاف: ما يوضع على ظهر الحمار من وقاء للركوب عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت