المقدمة:
الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ الله ارتضى من الأديان دين الإسلام، وبين ما يحل وما يحرم فعله في الإسلام، وجعل بناءه يقوم على قواعد خمس عظام، وجعل صيام رمضان أحد مبانيه العظام؛ قال العلامة حافظ حكمي-رحمه الله-:
فقد أَتى الإسلام مبنى على *** خمس فحقق وادر ما قد نُقلا
أولها الركن الأساس الأعظم *** وهو الصراط المستقيم الأقوم
ركن الشهادتين فاثبت واعتصم *** بالعروة الوثقى التي لا تنفصم
وثانيًا إقامة الصلاة *** وثالثًا تأدية الزكاة
والرابع الصيام فاسمع واتبع *** والخامس الحج على من يستطع
وقد كان الصيام مشروعًا على من سبقنا من الأمم، وفرض علينا- أمة الإسلام- صيام شهر رمضان، تزكية للنفوس، وتحقيقًا للتقوى، وتنقية للنفس من الأخلاط الرديئة، والأخلاق الرذيلة؛ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة: 183 .
وغير ذلك من الفوائد الدينية والدنيوية. وهو مع ذلك -سبحانه- قد يسر صيامه للعباد، فجعله شهرًا واحدًا في السنة؛ فقال تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ؛ ورخص الفطر فيه لأهل الأعذار، فله الحمد على نعمة الإسلام، والله نسأل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. آمين.
الآيات:
قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة183-184.
شرح الآيات:
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} سبق الكلام على أمثالها في دروس سابقة، بما يغنى عن إعادته هنا. قوله: {كتب عليكم الصيام} أي فُرض؛ والذي فَرضه هو الله -سبحانه وتعالى-؛ و {الصيام} نائب فاعل مرفوع؛ وهو في اللغة الإمساك؛ ومنه قوله -تعالى-: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} سورة مريم (26) ؛ وأما في الشرع: فإنَّه التعبد لله بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قوله: {كما كتب} ؛"ما"مصدرية؛ والكاف حرف جر؛ وتفيد التشبيه؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب. قوله: {على الذين من قبلكم} أي من الأمم السابقة؛ فيعم اليهود والنصارى وغيرهم؛ ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت والمدة. ثم ختمت الآية بذكر الحكمة التي لأجلها شرع الله الصيام؛ فقال: {لعلكم تتقون} ؛"لعل"للتعليل؛ ففيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله-عز وجل-؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع.
قوله: {أيامًا} مفعول لقوله: {الصيام} ؛ لأنَّ الصيام مصدر يعمل عمل فعله -أي كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات؛ و {أيامًا} نكرة؛ فتفيد القلة، والكثرة، والعظمة، وتفيد الهون؛ وذلك بحسب السياق؛ فلما قرنت هنا بقوله: {معدودات} أفادت القلة؛ يعني: هذا الصيام ليس أشهرًا؛ ليس سنوات؛ ليس أسابيع؛ ولكنه أيام معدودات قليلة؛ و {معدودات} من صيغ جمع القلة؛ يعني: أيامًا قليلة. ثم شرع -سبحانه- في بيان صيام أهل الأعذار؛ فبدأ بذكر المريض؛ فقال تعالى: {فمن كان منكم مريضًا} ؛ يعني مرضًا يشق به الصوم؛ أو يتأخر به البرء؛ أو يفوت به العلاج.. والمريض له ثلاث حالات: الأولى: أن لا يضره الصوم، ولا يشق عليه؛ فلا رخصة له في الفطر. الثانية: أن يشق عليه، ولا يضره؛ فالصوم في حقه مكروه؛ لأنه لا ينبغي العدول عن رخصة الله. الثالثة: أن يضره الصوم؛ فالصوم في حقه محرم؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} سورة النساء (29) .
ثم ذكر المسافر؛ فقال تعالى: {أو على سفر} أي السفر المبيح للفطر؛ والحكمة في التعبير بقوله: {على سفر} -والله أعلم- أن المسافر قد يقيم في بلد أثناء سفره عدة أيام، ويباح له الفطر؛ لأنه على سفر، وليست نيته الإقامة، كما حصل للرسول-صلى الله عليه وسلم- في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة1، وأفطر حتى انسلخ الشهر2. والمسافر باعتبار صومه في سفره له حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقًا؛ يعني: ليس فيه مشقة تزيد على صوم الحضر؛ ففي هذه الحال الصوم أفضل؛ وإن أفطر فلا حرج؛ ودليله أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم في السفر؛ كما في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ؛ وما فينا صائم إلاَّ ما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة3؛ ولأن الصوم في السفر أسرع في إبراء ذمته؛ ولأنه أسهل عليه غالبًا لكون الناس مشاركين له، وثقلِ القضاء غالبًا؛ ولأنه يصادف شهر الصوم- وهو رمضان.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة؛ فهنا الأفضل الفطر؛ والدليل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر، فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظُلل عليه، فسأل عنه، فقالوا: صائم؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (ليس من البر الصيام في السفر) 4. فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- البر عن الصوم في السفر.
الحال الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة؛ فهنا يتعين الفطر؛ ودليله: ما ثبت في الصحيح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر، فشُكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ما يفعل؛ فدعا بماء بعد العصر، فشربه، والناس ينظرون؛ ثم جيء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقيل له: إن بعض الناس قد صام فقال-صلى الله عليه وسلم-: (أولئك العصاة! أولئك العصاة!) 5؛ والمعصية لا تكون إلا في فعل محرم؛ أو ترك واجب. ثم بين أن من أفطر في رمضان لعذر شرعي، فإنَّ عليه القضاء بعد رمضان، فقال تعالى: {فعدة من أيام أخر} أي أيام مغايرة.