وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بملك الموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم"28.
وقال حافظ حكمي - رحمه الله - ملخصًا لهذه المسائل:
والنار والجنة حق وهما ... *** ... موجودتان لا فناء لهما
وقال ابن القيم - رحمه الله: لم يزل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعوهم، وأهل السنة والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك، وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها إلى أن نبعث نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن 29.
وفي الجنة ما لا عين رأيت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 30.
وفيها الحور الحسان، والخدم والغلمان، وأنواع المآكل والمشارب والمراكب، والجوهر. ولكنها فيها أفضل لذة على الإطلاق هي النظر إلى وجه الله الكريم- اسأل الله أن يرزقنا ذلك- حيث قال ابن القيم: الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربهم - تبارك وتعالى - بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر، وتجليه لهم ضاحكًا إليهم. فهذا الباب أشرف أبواب الكتاب، وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدعة والضلالة، وهي الغاية التي تمر إليها المستمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من العذاب الجحيم. اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون.
وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المهتوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال وأعداء الرسول وحزبه، وقد أخبر الله - سبحانه- عن أعلم الخلق به في زمانه، وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض، إنه سأل ربه - تعالى - النظر إليه، فقال له ربه - تبارك وتعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} 31. ثم سرد كعادته في سرد وجوه الاستدلال من الآيات والأحاديث، ثم أردف بعد ذلك بذكر باب في تكليمه - سبحانه وتعالى - لأهل الجنة، وخطابه لهم، ومحاضرته إياهم وسلامه عليهم32.
وقد لخص حافظ حكمي هذه المسألة في منظومة سلم الوصول إلى علم الأصول فقال:
وأنه يرى بلا إنكار ... ... في جنة الفردوس بالأبصار
كل يراه رؤية العيان ... ... كما أتى في محكم القرآن
وفي حديث سيد الأنام ... ... من غير ما شك ولا إيهام
رؤية حق ليس يمترونها ... ... كالشمس صحوًا لا سحاب دونها
وخص بالرؤية أولياؤه ... ... فضيلة وحجبوا أعداؤه
والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وأله وصحبه وسلم.
1 -التحريم (6-7- 8 ) .
2 -البقرة (24 - 25) .
3 -آل عمران (131- 133) .
4-انظر معارج القبول ( 2/858) .
5 -رواه البخاري ومسلم.
6 -آل عمران ( 133) .
7 -الحديد (21)
8 -النجم (14- 15) .
9 -رواه البخاري ومسلم.
10 -رواه البخاري ومسلم.
11 -التغابن ( 9) .
12-البقرة (.2) .
13-الفرقان ( 11)
14-النبأ (21 ) .
15 -رواه البخاري ومسلم.
16 -رواه البخاري ومسلم.
17 -التوبة (100) .
18 -الحجر (48 ) .
19 -هود ( 108) .
20-الواقعة (33) .
21 -النساء (168- 169)
22 -النساء (57) .
23 -الأحزاب (64-65) .
24 -المائدة (37) .
25 -فاطر ( 36- 37) .
26-الأعلى ( 11- 13-12) .
27 -النساء (56) .
28 -رواه البخاري ومسلم.
29 -حادي الأرواح ص37. ط: دار كاتب وكتاب - بيروت، تحقيق د/ السيد الجميلي
30 -السجدة (17) .
31 -الأعراف (143)
32-للاستزادة انظر حادي الأرواح ص 326- 380 فهو كتاب جامع نافع في الحديث عن الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والنظر إلى وجه الله الكريم.
وأما الكتاب الذي أحيلك عليه في ذكر النار والتخويف منها ومن سلوك طريقها، وذكر ما يتجرعه أهلها من الغصص والحرمان، فهو كتاب: التخويف من النار للحافظ ابن رجب الحنبلي، فرجعهما تجد فيهما بغيتك ومقصو دك، والله يعصمنا وإياك من الخطاء الزلل، ويجنبنا طريق أهل الزيغ والأهواء والنحل .