فنداء الحجيج يصدقه كل شيء في البر والبحر والجو، فالملبي عندما يرفع النداء يتجاوب مع الملكوت الساجد طوعًا وكرهًا، أو يتجاوب معه الملكوت.
روى الترمذي والبيهقي وابن ماجه"ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا، وها هنا عن يمينه وشماله".
فالجبال كانت تردد مع داود عليه السلام، وتصغى إليها الطير الغاديات والرائحات.
قال تعالى: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب {ص:18-19} .
إن هذه التلبية الآن ينفرد بها أتباع محمد صلى الله عليه وسلم حملة راية التوحيد، أما غيرهم فهم بين معطل ومشرك وجاحد ومنحرف، وقد كان أهل الجاهلية الأولى يشركون في تلبيتهم كما روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويلكم قدٍ قدٍ" (كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا) (والمعنى: فيقولون: إلا شريكا هو لك تملكُهُ وما مَلك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت، ومن ثم كانت التلبية الإسلامية هي شعائر حج التوحيد، الذي هو روح الحج، ولذلك أمرنا الله بإتمام الحج والعمرة في إخلاص كامل له سبحانه، فتكون الحجة والعمرة لله، لا رياء فيها ولا سمعة.
وقد علق العلامة ابن القيم على هذه التلبية فقال: قد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة.
إحداها: أن قولك:"لبيك"يتضمن إجابة داع دعاك ومنادٍ ناداك.
الثانية: أنها تتضمن المحبة. ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه.
الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية.
الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل.
الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللب، وهو الخالص.
السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى.
السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل: إنها من الإلباب، وهو التقرب.
الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعارًا للانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك.
التاسعة: أنها شعار التوحيد ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها ومقصودها.
العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة ثم قال:
الأخيرة: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد، فهو سبحانه محمود لذاته، ولصفاته ولأفعاله (3) . فيجب إخلاص النية لله في الحج أو العمرة.
(1) وادي الأزرق بالحجاز. ماء في طريق حجاج الشام.
(2) الثنية: ما ارتفع من الأرض. وهرشى بسكون الراء والقصر آخرها، وهي ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة، يُرى منها البحر.
(3) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، بيروت دار الكتب العلمية (5-180978) .