فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 9994

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الخطبة الأولى:

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، حياةُ المؤمِنِ كلُّها لله وفي سبيلِ الله، حياةُ المؤمنِ كلُّها سعيٌ فيما يقرِّبه إلى اللهِ، حياةُ المؤمِن كلُّها مَعمورَة بطاعةِ الله بأقوالِه وأعمالِه، حياةُ المؤمنِ كلّها حياةُ خيرٍ وهدى، لا انفصالَ بينها وبين العمَل، بل العمَل دؤوب ومستمرّ ومتواصِل ما دامتِ الروحُ في الجسَد.

إنّ المؤمنَ حقًّا أيقَن بأنّ اللهَ خلَقَه لعبادتِه واستَعمَره في الأرضِ ليقومَ بما أوجَبَ الله عليه، لذا فَهو يغتَنِم حياتَه فيما يقرِّبه إلى الله، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} "1".

حقًّا أخِي المسلِم، فحياةُ المؤمنِ للهِ وفي سبيلِ الله، حياةٌ لا تنفصِل عنِ الخيرِ أبَدًا، ما بَينَ أقوالٍ يقولها، ذِكرٌ لله وتسبيح وتكبير وتحميدٌ وثناء على الله بما هو أهلُه، ويتذكّر قولَ الله في ملائكَتِه: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} "2"، إذًا فاللِّسان مَعمور بذِكر الله والثناءِ عليه، استغفارًا وتوبَةً وتعظيمًا لله، وأعمال ببقية الجوارح من صلاة، من صدقةٍ، من صوم، من حجٍّ، من برّ وصِلَة، من أمرٍ بخير ونهي عن شرّ، من دعوةٍ إلى الخير وتحذير من الشرّ، من نصيحَة وتوجيهٍ، من أخلاقٍ كريمة وسِيرة عظيمة.

أيّها المسلم، إنّ المؤمنَ حقًّا يعلَم أنّ حياته حياةُ العمَل واكتسابِ الفَضَائل، وأنّ هذا العمَل سينقضِي إذا فارقت الروح الجسد، ينقضي العمل ويبقى الإنسانُ يجني كلَّ ما مضى، إما خيرًا وإما شرًّا، نعوذ بالله من سوء الحال. أعمالُنا في حَياتنا، وبعدَ موتِنا تُطوَى صحائف أعمالِنا، ويبقَى العبد مرتهنًا في لحدّه بما قدّم مِن خيرٍ أو ضدِّه، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} "3".

أيّها المسلم، في هذِه الدّنيا يتفاوَت العِباد، فمِن ساعٍ في زَكاةِ نفسِه وتخليصِها من عذابِ الله وإسعَادِها في دارِ القَرار، ومِن سَاعٍ في إِباقِها وإِذلالها وإلقائِها في عذابِ الله، في الحديثِ: (( كلّ الناسِ يغدو؛ فبائعٌ نَفسَه فمُعتِقُها أو موبِقها ) )"4".

أيّها المسلم، إنَّ ربَّنا جلّ وعلا قال لنبيّنَا: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} "5"، فمُحَمّد أَكملُ الخلقِ خَشيةً لله، وأكمَل الخَلق معرفةً بِالله، وأكمَلُ الخلقِ خَوفًا من الله، وأَكمَل الخلقِ رجاءً لله، ولذا قال الله له: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، استَمِرَّ على العِبادَة واستقِم على الطاعة ولا تَدَعها إلى أن يوافِيَك الأجَل المحتوم، فليَكن المسلمُ كذلك، يعمُر حياتَه بطاعَةِ الله؛ لتَكونَ حياته لله وفي سبيل الله.

أيّها المسلم، إنَّ الله يقول لنبيّنا في آياتٍ من كتابِه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} "6"، وقال له في آية أخرى: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} "7"، وأثنى على المستقيمين بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} "8"، وقال فيهم أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} "9".

أيّها المسلم، فما معنى الاستقامة في هذه الآياتِ؟ إنّ الاستقامةَ الحقّة لزومُ المؤمِن للطّريق المستقيم، استمرارُه على الطريق الواضِح. إنّ المؤمن عرف الحقَّ، واستبان له الرشدُ والهدى، وميَّز بين الحقّ والباطل والهدى والضّلال، عرف الطريقَ المستقيم الموصِل إلى الله وإلى جنّتِه ومغفرته ورضوانِه، فلمّا عرَف الحقَّ واستبان له الهدَى ووضَح له السبيل استقَام على هذا ولازَمه ملازمةً دائمة؛ لأنّ هذا دليلٌ على رسوخِ الإيمان في قلبه، فالمستقيمُ على الطريق المستقيم يدلّ على أنّ في القلب إيمانًا حقًّا، أمّا المتذَبذِب يستقيم يومًا وينحرف يومًا، ويصلح يومًا ويفسدُ يومًا، إنّ هذا دليلٌ على أنّ الإيمانَ غير مستقرٍّ وثابت في القلب، أما الإيمان الثابت الإيمانُ القويّ الإيمان الذي استنار به القلبُ فصاحبُه يستقيم على العمَل ولا يهمِل ولا يُضيِّع، كلّما تقدَّم به العمُر ازداد في العمَل ورغِب في الخير.

أيّها المسلم، والله يقول لنا محذِّرًا من الانحراف: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} "10".

امرأةٌ بمكّة تبرم غزلَها أوَّلَ النهار وتنقضُه آخرَ النهار، إذًا الذي يستقيمُ يومًا أو شَهرًا ثم ينحرِف عن الحقّ قد هدَم صالحَ عمله، وقضى على صالح عمَله، وأحرقَ أوراقَه، فأصبح شبيهًا بتلكمُ المرأة.

أخي المسلم، لا أشكُّ ولا تشكّ أيضًا أنّ هناك مواسمَ خيرٍ يتضاعَف فيها الجهدُ ويعظم فيها الأجر، وهذا لا إشكالَ فيه، لكن هذا الجهدُ والثوابُ في ذلك الموسِم هل معناه أنّه إذا مضَى الموسِمُ انقضَى الخير وطُوِيت صحائِفُ الخير وعادَ الإنسان إلى سَفَهه، وعاد إلى غيِّه، ونسِي ما قدَّم من عملٍ صالح؟! هذا تصوُّر خاطِئ لا يليق بالمسلم. المسلمُ في مواسِم الخير يضاعِف الجهدَ ويزيد في الخير وتَقوَى رغبتُه في الخير، لكن هذا الجهدُ لا ينقطِع منه، تبقَى آثارُه عليه؛ لأنّ هذا ترويض للنّفس في المستقبل، ولذا يقول: (( الصلواتُ الخمس والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبت الكبائر ) )"11".

أيّها المسلم، فما بَين رمضانَ هذا ورمضانَ الآتي ـ إن شاء الله ـ صغائرُ أعمالِك يكفِّرها ما بين الرمَضانين، كلُّ هذا فضلٌ منَ الله عليك، فإيّاك ـ يا أخي ـ وأن تنتكسَ على عقبك، إيّاك أن تهجرَ الطاعة، إياك أن تزهدَ في الأعمال الصالحة، إيّاك عَنِ التقاعُس عن الخير. واصِلِ الجدَّ بالجدّ، واستقِم على الهدَى، وما فعلتَ من خيرٍ فإيّاك ونسيانَه.

كنت ـ يا أخي ـ في رمضانَ تؤمُّ المسجدَ في الأوقاتِ الخمسة وترغَب في صلاةِ الجماعة: فجرًا ظهرًا عصرًا مغربًا عِشاءً، فهل هذا العمَل الصالح بقيتَ عليه أم أردتَ أن تهجرَ المسجدَ وتهمِل الصلاةَ وتضيِّعها وتهمِل الجماعةَ بعدما ذُقتَ لذّة الطاعة؟! تلوتَ كتابَ الله، وتصفَّحته، ووقفتَ على الآيات وما فيها من وعدٍ ووعيد وترغيبٍ وترهيب وقصَص وغير ذلك، فهل زهِدتَ في القرآن وأعرضتَ عنه؟! كنتَ تحافِظ على النوافلِ في رمضان، فإياك وهجرانها، تخلَّقتَ بالحِلم والصفحِ والإعراض عن الجاهلين، وتحمَّلت مساوئَ أخلاق الآخرين فليَكُن ذلك خلُقًا لك على الدّوام.

أخي المسلم، جادَت يدُك بالخير وسحّت يدُك بالخير والعطاء، فهل تكون بعدَ رمضان قابضًا لها عن الخير؟! لا، كن على ما أنتَ عليه من خيرٍ وإن قلّ، فأحبُّ الأعمال إلى الله ما داوَم العبدُ عليه وإن قلَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت