فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 9994

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أيده ربه بالبينات، والحجج القاطعات، فأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السموات، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء: 1.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أُتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أَتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة1 التي يَرْبِطُ الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة..."2.

وفي حديث مالك بن صعصعة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان -وذكر يعني رجلا بين الرجلين- فأتيت بطست من ذهب ملئ حكمة وإيمانًا فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانًا، وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار: البراق، فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا، قيل من هذا؟"

قال: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟

قال: نعم، قيل مرحبًا ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبي، فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد -صلى الله عليه وسلم-، قيل: أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالًا: مرحبًا بك من أخ ونبي، فأتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخ ونبي، فأتينا السماء الرابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد -صلى الله عليه وسلم-، قيل: وقد أرسل إليه؟ قيل: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إدريس فسلمت عليه، فقال: مرحبًا من أخ ونبي، فأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتينا على هارون، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخ ونبي، فأتينا على السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد -صلى الله عليه وسلم- قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على موسى، فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخ ونبي، فلما جاوزت بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي، فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به ونعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبي، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ورفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران: النيل والفرات، ثم فرضت علي خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلتُ: فرضت عليَّ خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فسله، فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله، ثم ثلاثين، ثم مثله، فجعل عشرين، ثم مثله، فجعل عشرًا، فأتيت موسى، فقال: مثله فجعلها خمسًا، فأتيت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسة، فقال: مثله، قلتُ: سلمت بخيرٍ، فنُودِيَ: إني قد أمضيتُ فريضتي، وخففتُ عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرًا"3."

كانت حادثة الإسراء والمعراج قبل هجرته -عليه السلام- إلى المدينة، وقد اختلف في تعيين زمن هاتين الحادثتين على أقوال شتى:

1-فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة، واختاره الطبري.

2-وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووي والقرطبي.

3-وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من النبوة.

4-وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة 12 من النبوة.

5-وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة 13 من النبوة.

6-وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة 13 من النبوة.

وردَّت الأقوال الثلاثة الأول بأن خديجة -رضي الله عنها- توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء.4

فلما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من رحلته الميمونة أخبر قومه بذلك، فقال لهم في مجلس حضره المطعم بن عدي، وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة، فقال:"إني صليت الليلة العشاء في هذا المسجد، وصليت به الغداة، وأتيت فيما دون ذلك بيت المقدس، فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم، وموسى وعيسى، وصليت بهم وكلمتهم"فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ به: صفهم لي، فقال:"أما عيسى، ففوق الربعة، ودون الطول عريض الصدر، ظاهر الدم، جعد أشعر تعلوه صُهْبَة5، كأنه عروة بن مسعود الثقفي. أما موسى فضخم آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم فوالله إنه لأشبه الناس بي، خَلقًا وخُلقًا"6.

فقالوا: يا محمد! فصف لنا بيت المقدس، قال:"دخلت ليلًا وخرجت منه ليلًا"فأتاه جبريل بصورته في جناحه، فجعل يقول:"باب منه كذا، في موضع كذا، وباب منه كذا، في موضع كذا".

ثم سألوه عن عيرهم، فقال لهم:"أتيت على عير بني فلان بالروحاء، قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربت منه، فاسألوهم عن ذلك"قالوا: هذه والإله آية:"ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنفرت مني الإبل، وبرك منها جمل أحمر، عليه جُوالِق7 مخطط ببياض، لا أدري أكسر البعير، أم لا، فاسألوهم عن ذلك"قالوا: هذه والإله آية"ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم، يقدمها جمل أورق8، وها هي تطلع عليكم من الثَّنِيَّة"9، فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا، فوجدوا الأمر كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد بن المغيرة فيما قال10.

وسعى بعض الناس إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.

قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟

قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق11.

فوائد ودروس وعبر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت