الحمد لله الكريم الرحمن، جزيل العطايا والإحسان، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الغر الكرام،وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان.
أمَّا بعدُ:
إن من الصفات الذميمة في بعض المسلمين اعتمادهم على رحمة الله دون النظر إلى عقابه,وقد تبنت هذه العقيدة المنحرفة والتي تسمى - بالإرجاء- فئة منحرفة من الناس. وفي هذا الدرس - إن شاء الله نبين شيئًا من عوار تلك الفئة التي ما زالت جرثومتها خافية تارة، وظاهرة تارات بين صفوف المسلمين فتصيب ذلك الكيان الإسلامي بالضعف والوهن وفقدان القدرة على تمييز الخبيث من الطيب، ومعرفة المفسد من المصلح، وبالتالي يتوغل أثرها البالغ السوء في الواقع الإسلامي أخلاقيًا وسياسيًا. ونحن لا نعتزم الخوض في هذه العجالة في تفاصيل مذهب (الإرجاء) ومناقشة أصحابه فيما ذهبوا إليه، أو الإتيان على ذكر كافة فروع المرجئة التي انقسمت إليها، وإنما سنذكر اختصارًا ما ذهبت إليه المرجئة بشكل عام في بدعتهم، ثم نعرِّج على شيء من نقض تلك الأقوال وبيان وجه الحق فيها كما اختطَّه أهل السنة والجماعة...
فنقول: الإرجاء:
مصدر أرجأ بمعنى أخَّر، يقال: أرجأ الأمر أي أخَّره. وقد أطلق هذا الاسم على طائفة المرجئة لما قالوا بتأخير العمل عن الإيمان، أي فصله عنه وتأخير مرتبته في الأهمية كذلك لعدم حكمهم على الفاسق أو الكافر بما هو أهلٌ له، وادعاء إرجاء ذلك إلى يوم الحساب. وتدور عقائد المرجئة حول الإيمان؛ إذ ذهب أكثرهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان- عدا بعضهم ممن زعم أنه تصديق القلب ولم يشترط النطق بالشهادتين مع القدرة عليهما - ولم يُدخلوا العمل في مسمى الإيمان، فالإيمان عند هؤلاء متحقق كاملًا لمن صدق بالرسالة ونطق بالشهادتين، وإن لم يأتِ بعمل من أعمال الطاعات! وقد دخلت عليهم تلك البدع من أصل تصورهم للإيمان، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعَّض: أي لا يزيد ولا ينقص. وقد تمسكت المرجئة في أقوالهم تلك بما ادعوه من أن معنى الإيمان في اللغة: التصديق، كما في قوله -تعالى-: {ومَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} 1 ، أي: مصدق لنا. وكذلك بظواهر الأحاديث، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -، عن أبي هريرة قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) 2 ، وفيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة,قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-له: (فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)
3 .وقالوا: إن تلك الأحاديث تدلُّ على أنَّ الإيمان هو: تصديقُ القلب والتلفظ بالشهادتين،وهما كافيان لإثبات الإيمان ودخول الجنة دون العمل!.
وقد تجاوز بعض من ابتلاهم الله بشُبَهِ الإرجاء؛ فلم يكتفوا بإخراج أعمال الطاعات من الواجبات والمستحبات من مسمى الإيمان,بل كذلك الأعمال اللازمة لتحقيق التوحيد، كالحكم بما أنزل الله من الشرائع- والذي هو من معاني الشهادتين والمتعلق بتوحيد ألوهية الله عز وجل - ولم لا ؟! والإيمان محله القلب والتصديق متحقق؟! ومن يترك التحاكم مثله كمثل سارق البرتقالة، أو من يؤذي جاره؟!. فأتوا بما لم يأتِ به الأولون من أسلاف المرجئة،ومهَّدوا لما سنلقي عليه نظرة عاجلة في واقع المجتمع الإسلامي.
ونقض مذهب الإرجاء يكون بطريقين: أحدهما: عام، يتناول نقض مبادئهم في النظر إلى الشريعة - وهو ما اشتركت فيه معهم سائر أهل البدع والأهواء -، والآخر: خاص، يتناول الرد على أقوالهم قولًا قولًا، وبيان فسادها بالأدلة الشرعية.
أولًا الرد العام: سلك أهل البدع والأهواء طرقًا في دراستهم للنصوص الشرعية، أدت
بهم إلى النتائج التي وصلوا إليها، نُجملها فيما يلي:
1-عدم الجمع بين أطراف الأدلة،وذلك باتباعهم أول دليل يرونه دالًا - من جهة معينة - على ما أرادوه، فإذا صادفوا دليلًا آخر لم يجمعوا بينه وبين الأول، بل أوَّلوه أو ضعَّفوه أو أخفوه! بينما (مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها، وعامها المترتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بمبيِّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها) .
2-الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، مع ترك الأحاديث الصحيحة وإغفالها، بينما مسلك أهل السنة هو اتباع الحديث الصحيح وما يصح الاحتجاج به في الأحكام الشرعية، سواء ما صح أو حسن حسب قواعدهم في ذلك.
3-التعويل على جزيئات الشريعة دون ربطها بالقواعد الكلية التي تحكمها وتنظمها.
4 -تحريف الأدلة عن مواضعها، وهو نوع من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه الله- تعالى- في كتابه، وذلك بإيراد الدليل المقصود به مناط معين أو واقعة محددة لتطبيقه على مناط آخر - أو واقعة أخرى - وهي العملية التي تُسمَّى عند الأصوليين: (تحقيق المناط) ،ولاشكَّ أن (من أقر بالإسلام,ويذم تحريف الكلام عن مواضعه,لا يلجأ إليه صُراحًا إلا مع اشتباهٍ يعرض له وجهلٍ يصده عن الحق، مع هوىً يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعًا) .4.
ثانيًا النقض الخاص: إن ما استدلت به المرجئة من أن الإيمان هو التصديق ليس بصحيح، والحق أن الإيمان اسم شرعي استعمله الشارع ليدل به على معاني محددة في الشرع، هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يتركب منها، فلا مدخل للمعنى اللغوي إذ (مما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة وغيرهم) 5هذا إلا أن الإيمان لا يعني لغة التصديق من وجوه عدّة (فإنه يقال للمخبر إذا صدَّقْته: صدِّقْه، ولا يقال: آمِنْهُ وآمن به، بل يقال: آمن له، كما قال-تعالى-: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} 6 وقال: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} 7"فإن تعدى باللام كقوله: آمن له، كان تصديقًا وإن تعدى بالباء كان الإيمان الشرعي المتضمن للعمل"8.
"كذلك فإن قسيم الإيمان ليس التكذيب بل الكفر، فيُقال لمن لم يصدق: قد كذب،ومن لم يؤمن: قد كفر. ووجه آخر في لفظ التصديق والتكذيب: يُطلق على ما هو غائب أو مشاهَدٌ،"
أمَّا لفظُ الإيمان فلا يُستعمل إلا في الخبر عن الغيب"9."