وقال القاضي (عياض) : وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل … 41. وقال عبد الملك بن حبيب:
(من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت... ) 42 .
فلا يقتصر في سب أبى بكر -رضي الله عنه- على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين وجماعة المسلمين، وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي -صلى الله عليه وسلم-وغير ذلك كان كل واحد من هذه الأمور يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه43، وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها بل يجب عليه فعل ذلك. قال الإمام أحمد رحمه الله: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا عن مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلّده الحبس حتى يموت أو يراجع) 44. فانظر أخي المسلم إلى قول إمام أهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم ووجوب عقوبته وتأديبه. ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب -عند بعض العلماء- فحكْم فاعله حكْم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مبينًا حكم استحلال سب الصحابة: (.. ومن خص بعضهم بالسب فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-، ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه، أو إباحته فقد تفسق لأن سباب المسلم فسوق وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا والله أعلم) 45. وقال القاضي أبو يعلى تعليقًا على قول الإمام أحمد رحمه الله حين سئل عمن شتم الصحابة، فقال: ما أراه على الإسلام، قال أبو يعلى: (فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام، إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي) ثم ذكر بقية الاحتمالات (46) . يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سبًا يطعن بدينه وعدالته وكان مما تواترت النصوص بفضله أنه يكفر - على الراجح - لتكذيبه أمرًا متواترًا، أما من لم يكفره من العلماء فأجمعوا على أنه من أهل الكبائر ويستحق التعزير والتأديب ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي، ولا يكفر- عندهم -إلا إذا استحل السب، أما من زاد على الاستحلال كأن يتعبد الله عز وجل بالسب والشتم فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك.
اللهم إنا نشهدك أنَّا نحبك ونحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونحب الصحابة جميعهم ونترضى عليهم فاحشرنا معهم يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
1-هذا المقال مستفاد من مجلة البيان العدد 25 ص 38 مقال بعنوان: اعتقاد أهل السنة في الصحابة لمحمد بن عبد الله الوهيبي بتصرف.
2 -فتح الباري: 7 / 1 34 - 2 34، صحيح مسلم، رقم 856.
3-الصواعق المحرقة، ص 316.
4-مسلم بشرح النووي: 16 / 58.
5-الصارم المسلول، ص 577 - 578.
6 -الفصل في الملل والنحل: 4 / 148.
7 -شرح مسلم: 6 1 / 2 9-93.
8 -الصارم المسلول، ص 581.
9 -رواه مسلم في فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي-صلى الله عليه وسلم-أمان لأمته.
10 -الإصابة 1 / 12.
11 -من الآية: 59. من سورة النمل.
12-المرجع السابق 1 / 12.
13 -فضائل الصحابة 1 / 57، 60 ، شرح الطحاوية، 531.
14-فتح الباري 7 / 7.
15-شرح أصول اعتقاد أهل السنة: اللالكائي 1 / 160.
16-مسلم بشرح النووي 16 / 93.
17-من أشهر من قال بذلك الإمام ابن عبد البر والاستدلال المذكور هو من أقوى استدلالاته، والجمهور على خلاف قوله كما أشرنا.
18-رواه أبو داود: (41، 43) والترمذي 2 / 77 1، وابن ماجة (4041) وابن حبان (1850) قال الترمذي: حديث حسن.
19-رواه احمد والدارمي والطبراني وصححه الحاكم، قال ابن حجر: إسناده حسن، الفتح 7 / 6.
20-الصواعق المحرقة، 321.
21 -الفتح، 7/7.
22-الصارم المسلول، 566.
23 -الرد على الرافضة، 19.
24-الصارم المسلول، 591، 592.
25-الصواعق المحرقة، 379.
26-الصواعق المحرقة، 317، تفسير ابن كثير 4 / 204.
27-الصارم المسلول، 586.
28-فضائل الصحابة 1/300، وصححه ابن تيمية، الصارم: 590.
29-فضائل الصحابة 1 / 82، والسنة لابن أبي عاصم2 /5 7 5.
30-الصارم المسلول / 591.
31- (*) بعض العلماء يقيد ذلك بالخلفاء والبعض يقتصر على الشيخين ومن العلماء من يفرق باعتبار تواتر النصوص بفضله أو عدمها ولعله الأقرب والله أعلم، وكذلك البعض ممن يكفر ساب الخلفاء يقصر ذلك على رميهم بالكفر، والآخرون يعممون بكل سب فيه طعن في الدين.
32-الشفا للقاضي عياض: 2 / 1109.
33-الصواعق المحرقة / 384.
34-الشفا: 2/ 1109.
35-المصدر نفسه: 2/ 1108.
36-ا لصواعق/386.
37-المصدر نفسه/385.
38-الخرشي على مختصر خليل: 8/74.
39 -الفرق بين الفرق/360.
40 -الصارم المسلول: 582 - 583.
41 -مسلم بشرح النووي: 16/93.
42 -الشفا: 2/1108.
43 -الصواعق المحرقة / 387.
44-طبقات الحنابلة: 1 / 24.
45 -الرد على الرافضة / 19.
46 -الصارم المسلول / 576، وراجع أيضًا: 574 - 575.