الحمد لله الكريم الرحمن، جزيل العطايا والإحسان، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الغر الكرام، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان.
أما بعد:
إن اعتقاد أهل السنة في الصحابة يمثل الركيزة الرئيسية لدراسة تاريخهم-رضي الله عنهم-، ولا بد أن يحصل الانحراف والتشويه لتاريخهم إذا درس بمعزل عن العقيدة، وذلك لأن بعض الطوائف قد ضلت ضلالًا مبينًا من هذا الجانب، لهذا نجد عامة كتب الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة تبين هذا الموضوع بشكل جلي، ولا يمكن أن نجد كتابًا من كتب أهل السنة التي تبحث جوانب العقيدة المختلفة إلا ونجده يبحثه.
ونحن هنا - إن شاء الله - سنذكر في هذا المبحث عدة نقاط وهي كالتالي:
1-أدلة عدالة الصحابة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة.
2-منزلة الصحابة لا يعدلها شيء.
3-أنواع سبهم، وحكم كل نوع. والفرق بين السب الذي يطعن في عدالتهم وما دون ذلك، وكذلك من سب من تواترت النصوص بفضله، وما دون ذلك، ومن سبهم جملة أو سب بعضهم، وحكم من سب أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه، ومن ثم أحكام بقية أمهات المؤمنين 1.
1-من أدلة عدالتهم في الكتاب والسنة:
إن عدالتهم عند أهل السنة من مسائل العقيدة القطعية أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة ويستدلون لذلك بأدلة لا تحصى من الكتاب والسنة.
عدالتهم في القرآن: قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} الفتح: 18. قال جابر بن عبد الله- رضي الله عنه-: (كنا ألفًا وأربعمائة) 2هذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم ومن هنا رضي عنهم (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاء على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه) 3.ومما يؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها) الحديث 4. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا.. فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك) 5.
وقال ابن حزم: (فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي الله عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم البتة) 6 .
ومن الأحاديث الواردة في عدالتهم ما يلي:
1-عن أبى سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) 7رواه مسلم.
قال ابن تيمية في الصارم المسلول: (...وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: كل من صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة أو شهرًا أو يومًا أو رآه مؤمنًا به فهو من أصحابه، له من الصحبة بقدر ذلك) 8.
2-وروى أبو موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون) 9.
2-منزلة الصحابة لا يعدلها شيء:
لا بد من تعظيم الصحابة ومعرفة أقدارهم ولو كان اجتماعهم به -صلى الله عليه وسلم- قليلًا. قال الحافظ ابن حجر ذاكرًا ما يدل على ذلك: (فمن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي، قال: كنا عنده(أي أبى سعيد) وهو متكئ فذكرنا عليًا ومعاوية فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدري جالسًا-فذكر قصته حينما كان في رفقة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها أبو بكر ورجل من الأعراب - إلى أن قال (أبو سعيد) : ثم رأيت ذلك البدوي أتى به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أدري ما نال فيها لكفيتكموه)10 قال الحافظ: ورجال هذا الحديث ثقات. فقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلًا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء. روى البزار في مسنده بسند رجاله موثوقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين) ،حدثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: في قوله تعالى: {قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَذِينَ اصْطَفَى} 11 قال: هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم12. فهذا الاصطفاء والاختيار. أمر لا يتصور ولا يدرك ولا يقاس بعقل ومن ثم لا مجال لمفاضلتهم مع غيرهم مهما بلغت أعمالهم. قال ابن عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ، وفى رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) ، رواه أحمد في فضائل الصحابة وابن ماجة وابن أبى عاصم بسند صحيح قاله الألباني13.
ومن كل ما سبق ذهب جمهور العلماء إلى أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة (إلا للذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم) 14
قال الإمام أحمد رحمه الله في عقيدته: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) 15. وقال النووي: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) 16. أيضًا التزكية الداخلية لهم من الله عز وجل العليم بذات الصدور مثل قوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} وقبول توبتهم: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ والْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ} الآية، ورضاه عنهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ..الآية، كل ذلك اختصوا به، فأنَّى لمن بعدهم مثل هذه التزكيات؟ لكن يقول قائل17: لقد وردت بعض الروايات الدالة على خلاف ما ذكرت مثل قوله-صلى الله عليه وسلم- في حديث أبى ثعلبة: (تأتى أيام للعامل فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله ؟ قال: بل منكم) 18 . وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أحد خير منا ؟ أسلمنا معك،وجاهدنا معك، قال: (قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني) 19. فكيف الجمع بين هذه الروايات وما ذكر سابقًا ؟.
أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة أهمها:
1-حديث (للعامل فيهن أجر خمسين) لا يدل على الأفضلية لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الأعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقًا.
2-أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل.