وَأَمَّا الشَّهَادَةُ: فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْحُكْمِ ، وَبِإِشْهَادِهِ إيَّاهَا عَلَى حُكْمِهِ ، تَعَيَّنَ الْقَبُولُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ .
إذْ احْتِيَاجُ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ إلَى إثْبَاتِهَا فِي الْبِلَادِ الْمُتَبَاعِدَةِ غَالِبٌ ، وَتَكْلِيفُ شُهُودِ الْأَصْلِ التَّنَقُّلَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ .
فَلَا بُدَّ مِنْ وَسِيلَةٍ إلَى اسْتِيفَائِهَا مَعَ تَبَاعُدِ الْغُرَمَاءِ ، وَلَا وَسِيلَةَ إلَّا رَفْعُ الْأَحْكَامِ إلَى الْحُكَّامِ ، وَأَتَمُّ ذَلِكَ احْتِيَاطًا مَا صَوَّرْنَاهُ .
لَا يُقَالُ يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ ، لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ لَا يُسَاعِدُ شُهُودُ الْفَرْعِ عَلَى التَّنَقُّلِ ، وَالشَّهَادَةُ الثَّالِثَةُ وَلَا تُسْمَعُ .
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْرَعْ إنْهَاءُ الْأَحْكَامِ ، بَطَلَتْ الْحُجَجُ مَعَ تَطَاوُلِ الْمُدَدِ ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمْرَارِ الْخُصُومَةِ فِي الْوَاقِعَةِ الْوَاحِدَةِ بِأَنْ يُرَافِعَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إلَى آخَرَ .
فَإِنْ لَمْ يُنَفِّذْ الثَّانِي مَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ اتَّصَلَتْ الْمُنَازَعَةُ .
وَلِأَنَّ الْغَرِيمَيْنِ لَوْ تَصَادَقَا ، إنْ حَاكِمًا حَكَمَ عَلَيْهِمَا ، أَلْزَمَهُمَا الْحَاكِمُ مَا حَكَمَ الْأَوَّلُ .
فَكَذَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، لِأَنَّهَا تَثْبُتُ مَا لَوْ أَقَرَّ الْغَرِيمُ بِهِ لَزِمَ .