وَمِنْ اللَّوَاحِقِ النَّظَرُ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ وَكُلُّ مَا قُلْنَاهُ بِالْمَنْعِ مِنْ تَنَاوُلِهِ ، فَالْبَحْثُ فِيهِ مَعَ الِاخْتِيَارِ .
وَمَعَ الضَّرُورَةِ يَسُوغُ التَّنَاوُلُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } ) وَقَوْلِهِ: ( { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ } ) وَقَوْلِهِ: ( { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } ) .
فَلْيَكُنْ النَّظَرُ فِي: الْمُضْطَرِّ ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ .
أَمَّا الْمُضْطَرُّ: فَهُوَ الَّذِي يَخَافُ التَّلَفَ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ .
وَكَذَا لَوْ خَافَ الْمَرَضَ بِالتَّرْكِ .
وَكَذَا لَوْ خَشِيَ الضَّعْفَ الْمُؤَدِّي إلَى التَّخَلُّفِ عَنْ الرُّفْقَةِ ، مَعَ ظُهُورِ أَمَارَةِ الْعَطَبِ ، أَوْ ضَعْفِ الرُّكُوبِ الْمُؤَدِّي إلَى خَوْفِ التَّلَفِ ، فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ مَا يُزِيلُ تِلْكَ الضَّرُورَةَ .
وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، إلَّا مَا سَنَذْكُرُهُ .
وَلَا يُرَخَّصُ لِلْبَاغِي ، وَهُوَ الْخَارِجُ عَلَى الْإِمَامِ ، وَقِيلَ: الَّذِي يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ ، وَلَا الْعَادِي ، وَهُوَ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ ، وَقِيلَ: الَّذِي يَعْدُو شِبَعَهُ .
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ: - فَالْمَأْذُونُ فِيهِ حِفْظُ الرَّمَقِ ، وَالتَّجَاوُزُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ حِفْظُ النَّفْسِ ، وَهَلْ يَجِبُ التَّنَاوُلُ لِلْحِفْظِ ؟ قِيلَ: نَعَمْ ، وَهُوَ الْحَقُّ .
فَلَوْ أَرَادَ التَّنَزُّهَ وَالْحَالُ حَالَةُ خَوْفِ التَّلَفِ لَمْ يَجُزْ .
وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ ، وَلَيْسَ لَهُ الثَّمَنُ ، وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ بَذْلُهُ ؛ لِأَنَّ فِي الِامْتِنَاعِ إعَانَةً عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ .
وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ؟ قِيلَ: لَا ؛ لِأَنَّ بَذْلَهُ وَاجِبٌ ، فَلَا يَلْزَمُ [ لَهُ ] الْعِوَضُ .
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا ، وَطَلَبَ ثَمَنَ مِثْلِهِ ، وَجَبَ دَفْعُ الثَّمَنِ .
وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ بَذْلُهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِاقْتِسَارِهِ مَجَّانًا ، زَالَتْ