وَهُنَا أَسْبَابٌ أُخَرُ يَجِبُ مَعَهَا الضَّمَانُ: الْأَوَّلُ: مُبَاشَرَةُ الْإِتْلَافِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتْلَفُ عَيْنًا ، كَقَتْلِ الْحَيَوَانِ الْمَمْلُوكِ ، وَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ ، أَوْ مَنْفَعَةً كَسُكْنَى الدَّارِ ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَصْبٌ .
الثَّانِي: التَّسْبِيبُ وَهُوَ كُلُّ فِعْلٍ يَحْصُلُ التَّلَفُ بِسَبَبِهِ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ ، وَكَطَرْحِ الْمَعَاثِرِ فِي الْمَسَالِكِ .
لَكِنْ إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشِرُ ، قُدِّمَ الْمُبَاشِرُ فِي الضَّمَانِ عَلَى ذِي السَّبَبِ ، كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا ، فَدَفَعَ غَيْرُهُ فِيهَا إنْسَانًا ، فَضَمَانُ مَا يَجْنِيهِ الدَّفْعُ عَلَى الدَّافِعِ .
وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ الْمَالَ ، وَإِنْ بَاشَرَ الْإِتْلَافَ ، وَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ ضَعُفَتْ مَعَ الْإِكْرَاهِ فَكَانَ ذُو السَّبَبِ هُنَا أَقْوَى .
وَلَوْ أَرْسَلَ فِي مِلْكِهِ مَاءً ، فَأَغْرَقَ مَالَ غَيْرِهِ ، أَوْ أَجَّجَ نَارًا فِيهِ فَأَحْرَقَ لَمْ يَضْمَنْ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ حَاجَتِهِ اخْتِيَارًا مَعَ عِلْمِهِ ، أَوْ غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّعَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ .