وفي رأي ستكون الخمسون سنة القادمة في عمر إسرائيل مختلفة نوعًا عن الخمسين الماضية، فثمة استياء بين العديد من الإسرائيليين ويهود ما وراء البحر من الطبيعة العسكرية للدولة، وتقدير أكبر متزايد لمعاناة الفلسطينيين، وتفهم عميق -حتى من أكثر اليهود صهيونية- لعدم قدرة الاقتصاد الإسرائيلي البقاء بشكل دائم على المساعدات الأجنبية، سواء كانت أمريكية أو أوروبية أو حتى يهودية. إن مصير الفلسطينيين والإسرائيليين سيصبح أكثر تضافرًا نظرًا لعوامل ثقافية وسكانية: فعلى الجانب السكاني، يشير معدل مواليد السكان اليهود والفلسطينيين الحالي إلى أن الفلسطينيين، الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية في إسرائيل، والذين يقدر عددهم الآن بثمانمائة وخمسين ألفًا سيصلون إلى حوالي اثنين ونصف مليون بعد خمسين عامًا، مع استبعاد أولئك الموجودين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يقدر عددهم بعد خمسين عامًا بحوالي 5 - 6 مليون ، ومن المشكوك فيه أن يزيد عدد السكان اليهود في إسرائيل بعد خمسين عامًا عن تسعة ملايين. ثانيًا: وعلى المستوى الثقافي سيكون لليهود المهاجرين من العالم العربي كلمة أكبر في الشئون السياسية والثقافية في المجتمع الإسرائيلي ، وسيؤيدون ـ بغض النظر عن ميولهم السياسية المحافظة ـ تقاربًا ثقافيًا عربيًا إسرائيليًا، وهذا أمر عادى بالنظر إلى أن العديد منهم يحاولون إعادة اكتشاف هويتهم الثقافية والدينية التي تم بناؤها خارج نطاق الحدود الإسرائيلية /الفلسطينية القائمة .
سيساعد كل ما سبق في إضعاف الطبيعة العسكرية القوية لإسرائيل، وسيخلق مجتمعًا إسرائيليًا أكثر إنسانية واتجاهًا نحو الشرق الأوسط، مجتمع يرى استمرار بقائه في التوافق مع بيئته شرق الأوسطية، والثقافة العربية الإسلامية على العموم
عولمة الإسلام الأمريكي
أود أن ألمس نقطة رئيسة أخيرة تتعلق بحياة المجتمع المسلم في الولايات المتحدة، فيعتقد الكثير من المسلمين الأمريكيين أن هذا البلد وحده هو الذي تتاح فيه للمسلمين فرصة حقيقية لتشكيل هوية إسلامية أصيلة، ووعى ورؤية إسلامية للعالم، وهذا الوضع مبنى على ما يلي:
يتسامح الحيز الثقافي والديني الأمريكي ، كما تطوّر عبر الزمن، مع تكوين هويات دينية وثقافية جديدة.
ولما كان التكوين الثقافي للمجتمع الأمريكي المسلم في غاية التنوع، فإن هذه البلد إحدى المناطق القليلة في العالم التي يمكِّن المسلمين الآتين من خلفيات ثقافية وعرقية متنوعة من الاختلاط والتمازج مع بعضهم بعضًا، وهكذا مهد الطريق لتكوين ثقافة إسلامية عالمية ـ ذات سمات أمريكية فريدة ـ ضمن حدود العلمانية، بعبارة أخرى يتمسك البعض بالرؤية القائلة بأن المسلمين في قلب الغرب المتعولم يملكون فرصة أفضل لبناء مجتمع إسلامي عالمي مما لو كانوا في أي قطر آخر، وهذه أطروحة جذابة تتطلب تفكيرًا عميقًا.
إن الأحداث الداخلية في حياة مجتمع المسلمين الأمريكيين والمهاجرين وأهل البلد معًا، والتغيرات الخارجية القريبة في النظام العالمي، وبالأخص انهيار الاتحاد السوفيتي والتورط الأمريكي في شئون العالم الإسلامي السياسية والاقتصادية، حولت المجتمع المسلم من مجموعة غريبة وأحيانًا مروعة من الناس إلى مجتمع بارز ومتفتح، فلا يستطيع المسلمون الحفاظ على ابتعادهم عن الحياة الدينية الأمريكية، والتحديات الحقيقة التي تفرضها العلمانية على العقل الموحد (68) .
لا يزال المجتمع الأمريكي المسلم يضع أسسه الفكرية (أي الدين) والمؤسسية باللجوء إلى التراث الإسلامي المحوري الذي تطور في القلب الإسلامي في الشرق الأوسط عبر قرون عديدة ، وبالتفاوض ـ وإن كان بشكل واهن وبرؤية غير واقعية أحيانًا ـ مع الحداثة الأمريكية على مكان للإسلام في هذه الثقافة، ويعلم المسلمون أنه لا بد للبقاء في هذا البلد، وللحفاظ على هويتهم من ظهور مجموعة من نخبة الفكر، لتعيد تفسير التراث الإسلامي العريض في موقف جديد، في الوقت الذي تقوم فيه بتحليل تعايش المجتمعات الدينية الأخرى مع النظام السياسي والاجتماعي الراهن.
على المسلمين أن يعترفوا بأنهم يعيشون في مجتمع تعدديّ الثقافات ومتنوع دينيًا، وأن بعض الصياغات القانونية التقليدية كدار الحرب ودار السلام لا تناسب وضعهم في المجتمع الأمريكي، وأخيرًا يجب على المسلمين صياغة مفاهيم قانونية ودينية جديدة للتعبير عن الطبيعة الفريدة لمجتمعهم، وتفاعله مع المجتمعات الدينية الأخرى، وتسامحه مع العديد من الرؤى والفلسفات المتنوعة، بعبارة أخرى يجب على المسلمين الرد على النقد التالي الذي يشترك فيه بعض مراقبي الإسلام في المشهد الأمريكي:
إن المسلمين الذين يأخذون دينهم بجدية لا يمكنهم الإيمان بالفصل بين الدين والدولة، والتعددية الدينية مفهوم غريب على المجتمع الإسلامي المثالي، ويجب إذن السماح للمسلمين في الولايات المتحدة بممارسة دينهم، ولكن ليس إلى الحد الذي يهدد أو يمنع حرية الآخرين الدينية، وتأكيدًا ليس إلى درجة ممارسة الحرب المقدسة ضد غير المسلمين (69) .
تأتى هذه الصياغة من مراقب معادٍ ، ولكن الأسئلة الأهم هي كيف يمكن للمسلمين تفسير تهديدات العولمة الأمريكية الجديدة لكل من العالم الإسلامي والجماهير الفقيرة في الولايات المتحدة ، وهل استخدم المسلمون الأمريكيون كأدوات في أيدي العولمة لإفقار العالم الثالث؟ إن أحد طرق تشكيل إجماع إسلامي حول هذه الأسئلة تحقيق درجة من التفهم الحقيقي بين المجتمعين الكبيرين اللذين يشكلان الإسلام الأمريكي: المهاجرون وأبناء البلد الأصليين. ويواجه كلا المجموعتين تحديًا مشتركًا ألا وهو كيفية بيان وعى إسلامي يمكن إدراك المعتقدات المحورية لكل من الحداثة والعولمة، ويعي آثارهما على العالم الإسلامي المعاصر. يمكن علاوة على ذلك إثارة السؤال عن كيفية تقديم طبقة مفكرة أمريكية مسلمة أصيلة في انتمائها لتراثها الإسلامي الأوسع، ومنهمكة بشكل قوى في الأسئلة والقضايا التي تواجه قطاعات المجتمع المسلم المتنوعة، هذه القطاعات التي تمثل نطاقًا واسعًا من الطموحات والخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة. إن المسلمين الأمريكيين في وضع أفضل من غيرهم من المسلمين يمكنهم من تنوير العالم الإسلامي عن مدى ومخاطر العولمة وتحل بذلك بعض المسائل المحورية التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر
أفكار ختامية
يتمحور العقل الغربي، الذي شكل أوضاع العالم منذ الثورة الصناعية، حول مفهوم التقدم (70) ويبدو للبعض أن إمكانات التقدم غير محدودة (71) ، فقد كانت ثمة مناطق في العالم الثالث، مادية وفكرية، لاحتلالها واستعمارها، ووفقًا لرأي أحد الكتاب فإنه في رؤية العالم الحديث"يضع معنى الخلاص في مفهوم التقدم والتوسع الاقتصادي والابتكار التكنولوجي في بؤرة الأهمية" (72) وفرضت ظاهرة التقدم تحديًا رئيسًا على الثقافات التقليدية، وأسسها الاجتماعية الاقتصادية، ورؤاها الأخلاقية للعالم، ولم تتخل العولمة عن التقدم ولا حتى عن الأشكال الأشد تدميرًا منه، كتلك التي تؤدى إلى شكل جديد من الاستعمار، فالمفهوم التقليدي للتقدم -وفقًا لرؤية حنا أرنت- أدى لعملية لا تنتهي من مراكمة القوة الضرورية لحماية المراكمة التي لا تنتهي لرأس المال التي حددت الأيدلوجية التقدمية لأواخر القرن التاسع عشر، وكانت إيذانًا بصعود الاستعمار (73) .