فهرس الكتاب

الصفحة 2643 من 3028

ثم إن أمة الإسلام تجد نفسها محكومة بما يناقض شريعتها والذي يفضى إلى مناقضة إيمانها وعقيدتها بالحتم والضرورة! ذلك أنها وبمنطق الواقع تعلم وتوقن أنه لا توجد على وجه الأرض تشريعات ونظم قانونية محايدة غير متحيزة مهما انتحلت من شخصيات وزعمت من أسماء بما فيها أكذوبة التشريعات العلمانية الغربية! إذ أن تلك القوانين في أصولها مشبعة بروح دينها الذي هو النصرانية وتحيزاتها الخاصة الناشئة من اعتقاده واعتناقه. وعلى هذا فإلحاق أمة الإسلام وعالم الإسلام بتلك التشريعات والنظم هو من القهر المستبطن والذل المكين، لأنه وجه آخر لتنصير قسري أو تغريب إجباري ـ على أحسن حال ـ ومن خلال أكثر ما يرتبط بالحياة الواقعية: الصيغ التشريعية! فلا يستقيم بحال أن يصلى المسلم في المسجد ثم يتحاكم إلى مؤسسة فيها روح الكنيسة وشبح الإمبريالية الصهيوصليبية المقيت!!

وفضلًا عن الإكراه المباشر من خلال التقاضي لأحكام غير إسلامية ومحاكم غير إسلامية فهناك تغريب كامل للقطاع المسلم من خلال تلك التشريعات الإمبريالية . فهي نفى للمسلم عن عالم مثاله وتحطيم نفسي معنوي متعمد له، كيف لا ومن تلك التشريعات الدخيلة الوافدة ما يحرم حلاله ويحل حرامه ويبدد معالم كينونته ووجوده وشخصيته وينادي ـ بالضرورة ـ بالعد التنازلي لاندثار ثقافته وعالمه الفكري ولاعتقادي وكل ما يتصل بذلك. وتلك خسارات لا تفي اللغات والألسن مجتمعة في تعبير وافي عن حجمها وحقيقتها.

وبعد:

فإننا في حاجة ماسة إلى المدارسة الدائمة والمذاكرة المستمرة لهذه الحقائق وربطها دومًا بمصادرها الأم التي وفدت منها، ولا بد من التعرف بداية على الجهات والشخوص الحقيقة التي نخوض معاركنا معها ولا ننشغل كثيرًا بالدمى المحلية التي توظفها تلك الجهات بالتحكم عن بعد !!

وما يجب أن نستصحبه دومًا في زماننا هذا أن الدافع الأول لثمن الحلم الإمبراطوري الأمريكي هو عالم الإسلام وأمته.. ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

إبراهيم الأزرق*

"وفي 1 يونيو قضت محكمة في نيالا بجلد فتاة قاصر 30 جلدة، وقالت محكمة المحافظة -كانت تسمّى سابقًا محكمة النظام العام- إن عزيزة صالح آدم، 15 عامًا، لم تكن ترتدي جوربًا يغطي قدميها. وتم تنفيذ الحكم بالجلد في نفس يوم صدور الحكم، قالت عزيزة، التي كان أفراد من شرطة أمن المجتمع قاموا باعتقالها، أثناء عملها في بيع الشاي على الطريق، أمام المحكمة: إنها لم تكن ترتدي جوربًا بسبب أنها لم تملك ثمنه".

قرأت هذه الفقرة أثناء تجولي في الشبكة العنكبوتية ضمن تقرير:"دورية حقوق الإنسان السوداني عدد رقم 15- يونيو 2003 بعنوان: محاكمة نظام قاتل"!...

ولا أكتمكم فقد شعرت بالارتياح، وقلت في نفسي هذه بشرى خير، وليت كل دعي كان على هذا القدر من الجرأة ... والبله! وإن شئت فقل: السذاجة الممزوجة بشيء من الصفاقة!

فقد كنت أظن أن مثل كاتب هذا التقرير نظرًا لالتحاقه بهيئة عالمية محكمة التنسيق والتنظيم، كنت أحسبه يستفيد من تخطيط وتدبير من فوقه ومن سبقوه، وضل عني قول الشاعر:

ولو لبس الحمار ثياب خز

لقال الناس يالك من حمار!

لا أذكر أني قد ركبت البحر سفرًا، ولكن سبق لي أن دخلت مطار الخرطوم الدولي وقد عَنّ لي تساؤل على ضوء هذه الخلفية حول من كتب التقرير: هل هو سوداني فعلًا؟ وقلت في نفسي لو دعونا محققًا أوربيًا أو أمريكيًا للنظر في هذه القضية فلن يحتاج لمعرفة الحقيقة أكثر من هبوطه على مطار الخرطوم، هذا إن كان في شك من أن بعض راكبات الطائرة قد يغادرنها بالمظلات قبل الهبوط!

وعلى كل حال لست أدري.. ولكنني أستبعد أن يكون كاتب هذا التقرير لم يطلع على الفضائية السودانية أو لا يعرف ترددها.

كانت تلك أمور تختلج في الصدر عند قراءة التقرير، غير أنه -والحق ينبغي أن يقال- لا يمكن القول بأن الفقرة الماضية تخلو من فوائد، فقد استفدت من كاتبها فائدة مهمة، تتعلق بتحليل سياسي وعسكري مهم يوضح سر ضرب مصنع الشفاء بذلك الصاروخ الأمريكي الذكي، والذي لا ينافي ذكاؤه كونه لا يرى الفضائيات، ولم تسبق له زيارة السودان. طالما أن التقارير والجواسيس قالت: إنه مصنع كيماوي!

قد يقول قائل: نعم الصاروخ الذكي لا يرى، ولكن الغبي الذي أطلقه والمعتوه الذي أرسله يرقب ويرصد ويسمع ويرى!

ولكن هذا في نظر البعض تحليل سطحي غير دقيق، فلو جاءك أحدهم مقتحمًا دارك وأخرج رشاشًا وقال لك اخرج وإلاّ صنعت منك مصفاة برشاشي هذا، أعتقد أنه من السذاجة حينها أن تجلس لتعقد حلقات تحقيق موضوعها هل في الرشاش ذخيرة أم لا، والعقل يقضي بأن تعمل رجليك وأن تستنفر طاقاتهما القصوى لتنجو بنفسك، وهكذا الضربات الدفاعية الوقائية الاستباقية الأمريكية -أو على الأقل هكذا يصورونها لشعبهم.

وأذكر كلمة للرئيس بوش أثناء غزو العراق، أمام تجمع بمركز بعض قواتهم، يقرر فيه نحوًا من هذا، ويصور الخطر العراقي وما يمكن أن يقود إليه لو ترك، وفي الوقت الذي ظهر فيه منظر الجنود من خلفه وهم يصفقون إعجابًا، تصورت منظر ملايين الأمريكيين خلف شاشات التلفزة وهم يضعون أيديهم على قلوبهم أو أفواههم خوفًا من"الرعب القادم من الشرق"الأوسط، والذي يحدثهم عنه مخرجه.

لقد كان آباؤنا يحدثوننا بقصة على سبيل الدعابة فقد كانوا يعتبرونها فكاهة أو كما نقول (نكتة) ، كانوا يحكون فيقولون: إن جماعة من الناس يتراكضون والفزع يملأ وجوههم، وقد وقف أحد الغرباء حائرًا، لا يعرف ما الخطب ولا أحد يريد أن يقف فيكلمه ليعرفه، فلم يجد مناصًا من أن يوقف أحدهم بالقوة الجبرية دون أن يلتفت لدموعه أو يستمع إلى توسلاته التي تطالب بإطلاقه ليواصل الفرار، بل قال له سائلًا -وذاك في تلك الحال- ما بالكم لماذا تتراكضون؟

فقال له الرجل: يا هذا دعني.. لقد قالوا بأن كل من له ثلاثة عيون فسيفقئون له أحدها!

قال الغريب: إذًا لماذا أنتم خائفون؟ وهل يوجد أحد بثلاثة عيون!!

فقال له صاحبنا: إنهم يفقئون ومن ثم يعدون.

أول ما سمعت هذه الطرفة من أبي -حفظه الله- فلم أتمالك نفسي وجرت الدموع من الضحك بأسلوب لا يليق، ثم تمضي السنوات وتصبح الطرفة منطقًا تقنع به الإدارة الأمريكية شعبًا!

وأخيرًا.. ليس من الغريب أن يمط بعض الغربيين شفتيه ثم يقول للأسف أنتم العرب لا تفهموننا.

وأظن أن هذا صحيح نحن لا نفهم الأمريكان بل كثيرون لا يحاولون حتى تفهم حججهم، ولكن لعل السبب يكمن وراء كون المليار يسمع ويرى الواقع بعينه، وأما الأمريكان فلا يزالون يعتمدون على أمثال التقرير الذي أشرنا إليه، بالإضافة إلى الأخبار والإعلام المكتوب على ديباجته Made in USA.

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت