فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 3028

ولقد عرف اليهود طبيعة العقل العربي في اليمن الذي تسيطر عليه مفاهيمه القبلية المبنية على قواعد ثابتة من الأخلاق والوفاء فحرصوا على التحرك من خلالها، ورضوا كأقلية دينية وربما عرقية تبعا لذلك، بالعيش داخل المنظومة القبلية ووفقا لسلمها الاجتماعي، متمتعين بمزاياها الاقتصادية، حيث لا يدفعون ضرائب ولا أعشارا، ولا زكاة فطرة، ولا رسوما مالية أخرى، بل يكتفون بدفع أموال زهيدة بالنسبة إلى ما يدفعه المُكلف المسلم تعرف بالجزية، تعمل على تخليصهم من حمل السلاح كما نوه بذلك نزيه العظم في معرض حديثه مع بعض أبناء الطائفة في صنعاء ؛ ومتمتعين أيضا بمزاياها الاجتماعية التي وإن شابها الدونية في بعض مظاهرها، لكنها حققت لهم الأمان والاستقرار داخل أروقة المجتمع اليمني بما يمكن تشبيهه بالحصانة الاجتماعية، وهم ليسوا بدعا أو متفردين في ذلك، بل إن القواعد القبلية تضمن لعلماء الدين المسلمين الحياة الآمنة حتى في أحلك الظروف الأمنية التي ينصاع فيها المتحاربون فيها لراية العالم البيضاء حال رفعها بينهم فيعقدون العزم على إتمام الصلح، واعتبار مكان ذلك هجرة لها حرمتها القبلية.

لقد كان لإدراكهم الفعلي لحيثيات ذلك العقل القبلي اليمني أثره الإيجابي عليهم، فهم لم يكتفوا بالخلاص من مجمل الالتزامات المالية التي يدفعها غيرهم من أفراد المجتمع اليمني المسلم، بل إنهم استغلوا ولربما كرسوا بطريقة مباشرة وغير مباشرة أيضا عزوف أفراد المجتمع اليمني قاطبة عن العمل اليدوي ليتولوا القيام بذلك، محققين خاصية الاحتكار والسيطرة التجارية المرتبطة بالحياة اليومية، مما أكسبهم مكانة خاصة، وأهمية بالغة في نفوس جل اليمنيين من أعلاهم إلى أدناهم المحتاجين لخدماتهم المهنية، فكان أن تنفذوا بأسلوب غير مباشر.

كما أدرك العديد من موظفي المنظمة الصهيونية أهمية تلك الميزة الإيجابية ليهود اليمن، فعمدوا على استغلالها، وأخذوا التجول متنكرين بالزي اليهودي بحرية واطمئنان، محرضين أبناء الطائفة على الهجرة إلى أرض فلسطين، وفي مقابل ذلك فقد أدركت القوى السياسية في عهد المملكة المتوكلية اليمنية أهمية هذه الميزة التي تمكن اليهودي من التنقل بين أرجاء القبائل دون اعتراض من أحد، فعملت على الاستفادة منها بالشكل الذي يصب في خدمة مصالحها، وهو ما يبرر سماح الإمام يحيى حميد الدين على سبيل المثال لحاخام اليهود بالدخول عليه في أي وقت يشاء، وإن كان لا يخلوا ذلك من إحساس بالمسؤولية الدينية تجاه اليهود كأهل ذمة مستضعفين.

الجدير بالذكر، فإنه بالرغم من التوافق الثقافي بصفة عامة، والتشابه الجيني كما أكدت ذلك مختبرات جامعة تل أبيب بين المجتمع اليهودي واليمني، إلا أن الطائفة اليهودية قد آثرت الانعزال في أحياء خاصة أشبه ما تكون بالمستوطنات، بعيدين عن أنماط حياة المجتمع اليمني الريفي منه والمدني، ويعود ذلك إلى الإحساس بالأقلية الفكرية التي تشكل هاجسا سيطر على مناحي الحياة اليهودية، مما سرب الخوف إلى نفوسهم موحيا لهم بحتمية التلاشي في حال الاندماج مع المجتمع اليمني المسلم، هذا عوضا عن مظاهر العبادة اليهودية التي تفرض نوعا من الصرامة الدينية في الحياة حتى على مستوى أكل الإنسان، لذلك فقد حرص اليهود على التجمع بقدر المستطاع دون أن يمنع ذلك أحدهم من الاختلاط الحياتي مع أفراد المجتمع المسلم، لهذا فقد كانت فكرة الانعزال عن باقي مناحي المجتمع في اليمن نابعة من داخل أروقة المجتمع اليهودي، وليس كما يعتقد البعض من أن منشأها التفرقة العنصرية التي عاشها اليهود في مختلف أرجاء العالم الغربي، ذلك أن الفرق بَيِّن بين العالمين الغربي المسيحي، والشرقي الإسلامي على وجه الخصوص، فالمسيحية تعيش عداءها الأيدلوجي التاريخي مع اليهودية لاتهامها بقتل المسيح عيسى عليه السلام، أما المسلمون فلا يملكون في أنفسهم أية بذرة للعداوة الأيدلوجية مع اليهود كطائفة دينية، فهم بداية، من أهل الكتاب الذين فرض الله على المسلمين مراعاة حقوقهم، وليس ذلك فحسب، بل وأجازت الشريعة الإسلامية الزواج منهم، والأكل من مأكلهم، وغير ذلك من مدلولات المعاملات الأخوية، وهو ما ينفي نظرية العداء الأيدلوجي العنصري السلبي بين المسلمين جماعات وأفراد مع اليهود بالرغم من حقيقة الخلاف الأيدلوجي معهم

بقلم الشيخ: التيجاني ندوي

الدراسات عن الإسلام التي اهتدينا إليها في غربي أفريقيا لا تشفي الغليل، لأنها دراسات عابرة لم تتناول بدقة وعمق حقيقة حال المسلمين هناك، كما أنها لا تعبر عن جوهر الحركة الإسلامية وعلاقتها بسياسة فرنسا المتسلطة على تلك البلاد، ولم تعن بتفاصيل النهضة والانتفاضات الجهادية التي تسجل من هنا وهناك، والتي هي في نظر فرنسا، امتداد حقيقي للحركة الإسلامية في المغرب العربي وحركة مقاومة الغزو الفكري الأوروبي في المشرق العربي.

وإهمال هذا الجانب في سياسة المحتل، وعدم التركيز على طبيعة دور الإسلام في خضم هذه السياسة، في أواخر وأوائل القرنين التاسع عشر والعشرين، يعود، بدون شك، إلى سياسة الاستعمار السائدة والمسيطرة على الظروف الدولية في هذه الفترة، واشتغال الناس أكثر فأكثر بمحاربتها بعدما أدركوا أنها تمثل قوة غريبة تستعبدهم وتستغل ثرواتهم، زيادة على أن جل الكتّاب في الموضوع بالذات وفي هذه الفترة التاريخية لا يعنيهم، سياسيًا ودينيًا، الأحداث التي تقرأ في كثير من الحالات على مسامعهم فينقلونها حرفًا بحرف أو مستعينين بوثائق تركتها إدارة فرنسا للأجيال.

وقد أثبت التاريخ قديمه وحديثه بأن الوثائق هذه قد شوهت وجه الدين في هذا القطر، وحاولت أن تلوث الإسلام وتسيء سمعة علمائه، فحصلت في النهاية، تراجعات وانتكاسات سببت في الأفارقة نوعًا من التدهور كان له أثره في تشتيت قواهم وعزائمهم، وأفرزت تناقضات هيأت أجواء صالحة لمدارس الفكر الأوروبية كي تكتب عن دين لا تؤمن به، وعن حركة دعاة تناهضها على طول الخط.

وفي كل ذلك تأخذ بنظرية الطائفية أو القبلية أساسًا لاستنتاجاتها. غير أن الظروف التي حفّت بمنطقة غربي أفريقيا في أواخر وأوائل القرنين المذكورين سلفًا، والقيود والضغوط التي فرضتها السلطة على دين الأغلبية، أبرزت سبلًا جديدة وأساليب وطرقًا متنوعة للتحدي الأفريقي الإسلامي ضد سياسة المستعمر.

والرسالة التي وجهها الحاكم العام إلى الأقاليم، تدل دلالة واضحة على حجم تخوفات وقلق السلطة السياسية من نشاط الدعاة وتنقلات الشيوخ عبر البلاد للتوعية الإسلامية، ومدى عمق انتشار الثقافة العربية واستعمال الناس لها في شتى بلدان ومدن المنطقة. وأكثر من قرينة تثبت أن الاستعمار كان قد هاجم الإسلام دينًا والعربية لغة في هذه الديار، والمنشور الذي صدر من الحاكم العام في مقره الرسمي بجزيرة غوره وهي جزيرة على بعد بضعة أميال جنوبي داكار عاصمة السنغال يبين الخطة التي يلزم أن تتبع تنفيذًا للسياسة الإسلامية الفرنسية في كل من السنغال، والسنغال العالي، ونيجيريا، وغينيا، وساحل العاج، وداهومي..

الإسلام والعلماء في نظر المستعمر ومكانة العربية في الدوائر الرسمية وحظر صحف وإنتاجات ثقافية تصدر من المشرق والمغرب العربيين من أهم النقاط التي يدور حولها هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت