فهرس الكتاب

الصفحة 935 من 3028

وفي فرنسا بالذات لا يمكن اعتبار حظر الحجاب في المدارس الرسمية مجرد إجراء قانوني، كما لا يمكن اعتباره أيضا خطوة سياسية تجاه"مجموعة معزولة"من المسلمين يعيشون في بلد غربي، بل يمكن القول إن هذه الخطوة تعطي مؤشرات لها دلالاتها العميقة المغزى، في مقدمتها أن المطلوب في المرحلة القادمة، وفق منظور فريق لا بأس به من صانعي القرار في الغرب، هو عزل المسلمين في دوله بدلا من دمجهم، وهذا ما يعنيه التخيير ما بين الالتزام بدينهم والذوبان بدلا من الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.

قد كان للاندماج وهو يخطو خطواته الأولى تأثير يخالف -على ما يبدو- ما كان ينتظره الدعاة إليه سابقا من الأصوليين العلمانيين، وعلى وجه التحديد أصبح تأثير الفرد المسلم داخل المجتمع الغربي فعالا على أكثر من صعيد، ومن ذلك ازدياد استعداد عامة الغربيين للتعرف على حقيقة الإسلام بعيدا عن الأحكام المسبقة والصور المشوهة التي صنعتها وسائل التربية والتعليم والإعلام في مرحلة سابقة، وهو ما أسهم في ارتفاع نسبة المدافعين عن القضايا الإسلامية الساخنة بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل جيل واحد.

ويضاف إلى ذلك في فرنسا -وبعض البلدان الأوروبية الأخرى- أن حملات التخويف الصادرة عن أقصى اليمين الفرنسي وأوساط أخرى من ارتفاع نسبة المسلمين، وارتفاع مستوى تأثيرهم الفكري والثقافي داخل أوروبا، قد وجدت على ما يبدو أصداءها المباشرة لدى أحزاب اليمين واليسار التقليدية.

ومن هنا يمكن أن يمثل"حظر الحجاب"في المدارس الرسمية -ومن ثم دفع عدد كبير من المسلمات المحجبات إلى التخلي عن حقوقهن في التعلم، خطوة في اتجاه العودة بالأسرة الإسلامية في أوروبا إلى حياة الجهل والعزلة كما كانت في المرحلة الأولى من انتشار المسلمين في القارة الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، عندما كان حرص المسئولين السياسيين والاقتصاديين كبيرا على جلب أعداد كبيرة من المسلمين للعمل، وبالتالي للإسهام في إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي، ولم يكن أحد يتخوف في تلك المرحلة من أن يصبح المسلمون جزءا من المجتمع الغربي نفسه، وأن يكون لهم قسط ما في صياغته المستقبلية.

** كاتب فلسطيني مقيم بألمانيا. والمقال سبق نشره في موقع الجزيرة. نت.

رضوان السيد**

* رؤية العالم.. المصطلح ومستوياته

* رؤية العالم والمشهد الإسلامي

* هل تغيرت رؤية العالم لدى الإسلاميين؟

ذكر الأنثروبولوجي المعروف مايكل كيرني Michael Kearny أنه لم يعد من الممكن دراسة التصورات حول الثقافات في تكويناتها، والعلاقات فيما بينها، إلا بالاستناد في ذلك -وخاصة في المسائل العلائقية- إلى بحوث وفرضيات"رؤية العالم"أو رؤاه1...

رؤية العالم.. المصطلح ومستوياته

وكان هذا المصطلح:"رؤية العالم"Weltanschauung قد ظهر للمرة الأولى في كتابات الفيلسوف والمؤرخ الاجتماعي الألماني Wilhelm Dilthey (1833 ـ 1911) 2. ثم شاع في أوساط الأنثروبولوجيين والمؤرخين منذ القرن التاسع عشر؛ بحيث صار اليوم إحدى المقولات الكلية التي تدخل في مضمون الثقافة.

وقد صنف السوسيولوجي الألماني الكبير ماكس فيبر Max Weber (1864 ـ 1920) تلك المقولة في مستويين، درس استنادًا إليهما عدة ثقافات تاريخية3. يتعلق المستوى الأول بما يطلق عليه دلتاي اسم"الصورة الكونية"التي تؤلف الكتلة الأساسية للمعتقدات والمسلمات الافتراضية عن العالم الحقيقي والواقعي. والتي يمكن في ضوئها الوصول إلى إجابات شافية عن التساؤلات حول مغزى الكون والوجود، أو ما يعرف بروح الحضارة. ويتعلق المستوى الثاني بالسياق التصوري الواعي والإرادي الذي تضع فيه الذات الجمعية نفسها ضمن تقسيمات العالم الواقعية أو المركبة من النواحي الثقافية في الأصل؛ لكن أيضا من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

وأحسب هنا أننا معنيون بالمستوى الثاني، المتعلق بالتركيبات الحاضرة للعالم، والتي ألجاتنا للعودة إلى"الصورة الكونية"أو إلى المستوى الأول أو الأساسي. إذ استنادًا إلى وعي الأفغاني وعبده والعظم ورضا وأرسلان لأحداث العالم وتركيباته وترتيباته، ومواقع المسلمين فيه، حددوا إشكالية المسلمين بأنها التخلف في سائر المجالات، كما حددوا الحل وهو التقدم4. على أن المفكرين الإسلاميين بدءوا يتخلون عن هذه الفكرة، أو عن هذا التحديد للإشكالية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. وليس بالوسع القول إن هذا التخلي سببه عجز المسلمين عن التقدم؛ بل الأمر أعقد من ذلك. فالتقدم عند النهضوي الإسلامي يستند في مفهومه إلى مقاييس غربية. وبتلك المقاييس يمكن القول إن المسلمين كانوا يتقدمون.

لكن مرة أخرى؛ فإنه بالمقاييس الغربية أيضا، ما كان ذلك كافيا ولا شافيا، بدليل عدم القدرة على الوصول إلى حل لإشكالية المسلمين مع الغرب من ضمن التركيبات العالمية التي كانت سائدة آنذاك، والتي تركت أثرا عميقا في وعي المسلمين، وبالتالي في تكييفاتهم للأوضاع القائمة في العالم الإسلامي. وقد بلغت تلك التأثيرات إحدى ذراها في ضياع فلسطين من جهة، وعدم نجاح التجربة الباكستانية من جهة ثانية.

لقد كان بالوسع طبعا ذكر أمثلة للنجاح: ظهور الدولة الإندونيسية التي لم تتوحد جزرها طوال التاريخ، وتوحدت في الخمسينيات. كما كان بالوسع ذكر الدول الإسلامية الكثيرة التي ظهرت واستقلت. كما كان بالوسع ذكر حركة عدم الانحياز التي وضعت المسلمين في قلب حركة عالمية كبرى؛ والتي أثارت فعلًا اهتمام أبي الحسن الندوي لفترة، واهتمام مالك بن نبي حتى الستينيات5. لكن مسارب الوعي لا تجري على نحو واقعي أو مفهوم دائما. ولذلك اتخذ ذلك الوعي مسارب أخرى أوصلت"رؤية العالم"لدى المفكرين الإسلاميين إلى حدود المستوى الأول، حدود الصورة الكونية: مغزى الوجود والكون. فظهرت تصورات الاستخلاف والتكليف والحاكمية التي وضعت الوعي الإسلامي في سياق العقائدية، سياق الهوية والرسالة والخصوصية. فما عادت مسألة التقدم كافية لمعالجة الإشكال، وصار مطلوبا"تحقيق الذات"، بالنضال المباشر، وبإعادة بناء التصور، وبتحديد خصائص ذلك التصور، سبيلًا للنضال من أجل إنجازه على أرض الواقع. فعدم الارتياح إلى الترتيبات والتركيبات السائدة في العالم على كل المستويات، أنتج وعيا مزدوجا: الانسياح باتجاه التاريخ من جهة، وعدم الاطمئنان في الوقت نفسه إلى الطهورية الكاملة لذاك التاريخ.

ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه المفكرون الإسلاميون يرجعون إلى استكشافات النهضويين للتاريخ الإسلامي، كانوا في الوقت نفسه يبتعدون عن أفكارهم ومسلماتهم باعتبارها ذات مرجعية غربية. ومن هنا كان لجوؤهم بإلحاح تأصيلي إلى النص نفسه باعتباره كامل الطهورية والعصمة. وبذلك اكتمل خطاب الحتميات لدى الإسلاميين في الوقت الذي كان يكتمل فيه ذلك الخطاب لدى القوميين والاشتراكيين في تناغم غير واع مع السائد عالميا في الحرب الباردة. فالقوميون والاشتراكيون رغم وجودهم في السلطة في العالم الإسلامي أو على مقربة منها، كانوا محبطين أيضا لعدم الاطمئنان إلى متانة أوضاعهم في الترتيبات الواقعية للعالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت